تفسير متى 19 — القمص تادرس يعقوب ملطي | رفيقي

تفسير الكتاب المقدس بالعربية للقمص تادرس يعقوب ملطي.

مقدمة عن سفر متى

مقدمة إنجيل متى 1من هو القديس متى؟ بمقارنة ( مت9:9- مت10:3- مت9:11-12- لو5:29) نفهم أن متى هو أحد التلاميذ الإثني عشر. وكان عشاراً واسمه لاوي بن حلفى. رآه السيد المسيح جالساً عند مكان الجباية فقال له إتبعني- فقام وتبعه. وكان اليهود ينظرون ببغضة لمهنة الجباية لأنها تمثل السلطة الرومانية المستبدة وإذلالها للشعب. بل كان العشارين يستغلون هذه الظروف لحسابهم الخاص- فكانوا مكروهين عند الشعب. وحينما دعا السيد المسيح متى قام فوراً وترك مكان الجباية وصنع وليمة للرب في بيته ( لو5:29)- دعا إليها أصدقاؤه ...

تفسير متى الإصحاح 19 — للقمص تادرس يعقوب ملطي

الإصحاح التاسع عشر ( مت 19:1-12 + مر 10:2-12) ( مت 19:1-12):- Mat 1:19-12 ( مر 10:2-12):- Mar 2:10-12 قضى الرب فى الجليل فترة طويلة من خدمته- ولما أكمل الخدمة ترك الجليل ولم يعد إليها إلاّ بعد القيامة. وهنا نراه متجهاً إلى اليهودية وأورشليم للمرة الأخيرة- ماراً بعبر الأردن. وفى زيارته هذه الأخيرة لأورشليم صُلبَ. وفى أثناء هذه الرحلة تدخل أحداث ( لو 9:51-18:34). ومنطقة عبر الأردن (بيرية وتسمى الآن الجولان) هى التى كان يوحنا المعمدان يعلم ويعمد فيها ( يو10:40) ليجربوه = كانت هناك مدرستين عند اليهود فى موضوع الطلاق:- 1.مدرسة الراباى هليل- وهم يسمحون بالطلاق لكل سبب حتى عدم إجادة الطهى أو حتى لو أعجبت الرجل إمرأة أخرى وكره إمرأته. 2.مدرسة الراباى شمعى وهى تقيد الطلاق إلاّ لسبب الخيانة فقط وسؤال الفريسيين للمسيح هنا فى خبث- فهو موجه ضد هيرودس وهيروديا فهيرودس كان قد طلق إمرأته بنت الحارث ليتزوج بإمرأة أخيه فيلبس. فلو منع المسيح الطلاق لإشتكوه لهيرودس فيقتله كما قتل المعمدان. ولو سمح المسيح بالطلاق لكان أقل من المعمدان جرأة فى الشهادة للحق. لكل سبب= أى لكل ما لا يعجبه فيها بحسب مدرسة الرابى هليل. خلقهما ذكراً وأنثى= الرب هنا يقرر شريعة الزوجة الواحدة- فالله خلق إمرأة واحدة لآدم- بالرغم من حاجته لزيادة النسل فى الأرض. يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمرأته= الرابطة الزوجية أقوى من كل الروابط العائلية ولا تفك. ولقد سمح موسى بالطلاق- لذلك كان هؤلاء الفريسيون الخبثاء- وكانوا قد سمعوا رأيه بمنع الطلاق أثناء عظته على الجبل ( مت 5:31- 32) يريدونه أن يكرر رأيه هذا ثانية ليتهموه بأنه كاسر للناموس. أما السيد المسيح فإستغل السؤال ليشرح لهم ولنا أن الزواج سر مقدس= فالذى جمعه هو الله= الله هو الذى جمع الزوجين ليصبحا جسداً واحداً. وإذا كان الله هو الذى جمعهما فكيف يفرق الإنسان بالطلاق ما جمعه الله. من أجل هذا يترك.. = من أجل أن يتم سر الزواج ليستقل الرجل عن عائلته ليبنى أسرة جديدة. والكتاب قدس سر الزواج فى عدة مناسبات:- 1.هنا يقول عنه السيد المسيح أن ما جمعه الله. إذاً هو رباط إلهى. 2.كثيراً ما سمعنا فى العهد القديم عن اليهود شعب الله أنهم عروس الله ( أش 50:1 + هو 2:2). 3.بولس الرسول شبه علاقة المسيح بكنيسته بعلاقة الرجل بإمرأته وقال إن هذا السر عظيم ( أف 5:23-32). 4.السيد المسيح كرم الزواج بحضوره عرس قانا الجليل ( يو2). 5.يقول بولس الرسول ""ليكن الزواج مكرماً عند كل واحد والمضجع غير نجس ( عب 13:4) وراجع أيضاً ( 1تى 4:1-3 - 1كو 7:10- 11). 6.المسيح كعريس للكنيسة ترك أباه= اى ترك مجده وأخلى ذاته أخذاً صورة عبد وترك أمه = أى الشعب اليهودى الذى أتى منه بالجسد. ليلتصق بإمرأته أى كنيسته. وموسى لم يوصى بالطلاق- فالسؤال خاطئ فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق. ( تث 24:1) لكن موسى أوصى أنه فى حالة أن يطلق رجل زوجته يعطيها كتاب طلاق به يمكنها أن تصبح حرة وتتزوج من رجل آخر لو أرادت. والسيد يشرح لماذا سمح موسى بهذا. بأن موسى من أجل قساوة قلبهم أذن أو سمح ولم يوصى بهذا. وهم فى قساوة قلوبهم كانوا سيقتلون نساءهم لو تضايقوا منهم. إذاً طلاق الزوجات كان خيرٌ من قتلهن. بل ربما كان الرجل وهو يكتب كتاب طلاق لزوجته ويعرف أن بهذا الكتاب ستصير لآخر- يرجع عن فكرة الطلاق. والسيد أعطى سبباً واحداً للطلاق وهو الزنا. فالزنا يجعل الزانية جسد واحد مع الرجل الآخر- وبهذا هى قطعت علاقة الجسد الواحد مع زوجها وبهذا فرب المجد يقيد الطلاق تماماً إلاّ لعلة الزنا. وبهذا على الزوج والزوجة أن يحتملا بعضهما بثبات للحفاظ على العلاقة التى جمعها الله. ومن يطلق إمرأة لغير سبب الزنا ويتزوج بأخرى (عن طريق المحاكم العالمية) فهو يزنى- لأن الذى طلقه إنسان. ولكن الله لم يطلقه. ونرجع للقاعدة التى وضعها المسيح ما جمعه الله لا يفرقه إنسان. ومادام الله لم يحكم بالإنفصال فهما مازالا جسداً واحداً- فكيف يتزوج بأخرى؟ فهذا يكون زنا. فالزنا هو أن يقيم الرجل علاقة مع إمرأته اخرى غير زوجته- وزوجته الأولى (التى طلقها بواسطة إنسان) مازالت زوجته بحسب حكم الله- لذلك قال السيد فى ( مر10:11) يزنى عليها فهى مازالت زوجته. وإن كان موسى قد سمح بالطلاق فملاخى النبى أعلن عن غضب الله على من يغدر بإمرأته ( ملا2:13-16) وهنا يصرح أن الله يكره الطلاق. فالمسيح يشرح لهؤلاء القساة روح الناموس وليس حرفه. وواضح طبعاً أن فى كلام السيد المسيح منعاً باتاً من تعدد الزوجات فإذا كان من طلق إمرأته (بحكم من المحكمة) يزنى إن تزوج بأخرى. فماذا يكون الموقف ممن تزوج إمرأة أخرى دون أن يطلق الأولى (حتى بحكم من المحكمة) ونلاحظ فى ( مر10:12) أن السيد ساوى بين الرجل والمرأة فقال وإن طلقت إمرأة زوجها.. واليهود كانوا يعطون حق طلب الطلاق للزوج فقط وليس للزوجة. فكان كلام المسيح هنا غريباً على أسماع اليهود. (آية 10):- قال له تلاميذه أن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة فلا يوافق أن يتزوج. فلا يوافق أن يتزوج = هذا الكلام معناه أن التلاميذ رأوا فى منع السيد للطلاق تقييداً لحرية الرجل- فقالوا إذاً الأ سهل أن يعيش الإنسان بلازواج حتى لا تضايقه إمرأة لا يستطيع أن يطلقها. (آية 11):- فقال لهم ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطى لهم. ليس الجميع يقبلون هذا الكلام= ليس كل إنسان يستطيع مقاومة الغريزة الطبيعية التى فيه ويتبتل- بل من يُعطى معونة إلهية فيصبح أعلى من الطبيعة. هؤلاء أعطى لهم = أعطى لهم معونة ونعمة للسمو فوق الطبيعة. هؤلاء أسماهم السيد فى آية 12 خصيان خصوا أنفسهم= لا بالمعنى الحرفى كما فعل العلامة أوريجانوس- فالكنيسة تحرم هذا- ولكن المعنى هو زيادة الجهاد والصلوات والأصوام فتزداد النعمة- ويفرح مثل هذا بالمسيح ولا يريد أن يعطله الزواج عن علاقته بالمسيح ( 1كو 7:32-34) فيمتنع مثل هذا عن الزواج مكرساً كل حياته وعواطفه لله. أما من يهرب من الزواج بسبب مسئولياته فلا يقال عنه هذا الكلام. فهناك فرق بين البتولية (من إمتنع عن الزواج حباً فى المسيح) وبين العزوبية (الهروب من مسئوليات الزواج). خصيان ولدوا هكذا= بسبب عيب خَلْقى. وهؤلاء لا يقال عنهم بتوليون. خصيان خصاهم الناس= كما كانوا يفعلون مع العبيد ليخدموا فى بيوت النساء الزواج فى المسيحية الزواج فى المسيحية هو سر من أسرار الكنيسة- وأسرار الكنيسة هى حصولنا على نعمة غير منظورة تحت أعراض منظورة. ففى سر الزواج يعطى الروح القدس للزوجان أن يصيروا جسداً واحداً ويجمعهما فى محبة روحانية [ من طقس صلوات سر الإكليل ""إعطهم يارب المحبة الروحانية تجمع بين قلبيهما] والمحبة الروحانية تفترق عن المحبة الجسدانية فالمحبة الجسدانية هى محبة دافعها الأول والأخير الشهوات الجسدية وهذه مصيرها أن تضيع مع الأيام لذلك كثير من الزيجات التى بدأت بالحب إنتهت بالطلاق- لأن الحب كان جسدياً فقط. ولكن من حصل على نعمة الروح القدس فى سر الزواج يضع الروح القدس الحب فى قلب الزوجين- بل ويزيد هذا الحب طوال العُمر وهذه هى المحبة الروحانية. ولكن لماذا تفشل بعض الزيجات التى تتم بسر زواج؟ سر الزواج مثل أى سر نحصل فيه على النعمة ولكن علينا أن نضرمها. فمثلاً فى سر المعمودية نموت مع المسيح ونقوم معه فهل كل معمد هو ميت عن العالم ويتمتع بالحياة المقامة مع المسيح ؟ نحن حصلنا على النعمة فى سر المعمودية ولكن المستهتر فى جهاده يفقد هذه النعمة. مثال أخر:- فى سر الميرون يمتلئ المؤمن المعمد من الروح القدس فهل كل من يحصل على السر هو ممتلئ الآن؟ قطعاً لا فهذا يتوقف على جهادة وإلاّ لما قال بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس ""إضرم موهبة الله التى فيك بوضع يدى ( 2تى1:6) ويقول لأهل أفسس إمتلئوا بالروح ( أف 5:18) إذاً كل من يجاهد يمتلئ. ومن لا يجاهد يطفئ الروح ( 1 تس 5:19). وهذا ما يحدث فى سر الزواج- فالعروسين يحصلان على النعمة ولكن إن أهملا جهادهما الروحى وعاشا بلا صلاة وبلا صوم وبلا كتاب مقدس وبلا كنيسة تنطفئ النعمة التى حصلا عليها فى سر الزواج ""لا تطفئوا الروح"" وبهذا تختفى المحبة الروحانية الى كانت تبتلع الخلافات الطبيعية بين أى زوجين- فتكبر الخلافات.. وينتهى هذا البيت فى أحيان كثيرة بالطلاق. فالسيد المسيح حين منع الطلاق أعطى لكل زوجين نعمة تصون البيت من الإنهيار. ولكن هل يصون الزوجين هذه النعمة بأن تكون لهما علاقة مع الله ويستمروا فى جهادهم؟ لو فعلوا لما كان هناك طلاق ولما عانت الأسر المسيحية. ( مت 19:13-15 + مر 10:13-16 + لو 18:15-17) المسيح يبارك الأولاد ( مت 19:13-15):- Mat 13:19-15 ( مر 10:13-16):- Mar 13:10-16 ( لو 18:15-17):- Luk 15:18-17 راجع تفسير ( مت 18:1-6) بعض الأباء قدموا أطفالهم للسيد ليباركهم- أما التلاميذ إنتهروا الأطفال بحسب المفهوم اليهودى الذى يحتقر الأطفال(فلا يصح أن يوجدوا فى حضرة المسيح). ولكننا نجد هنا السيد يحنو على الأطفال كما يحنو على كل ضعيف. ومن يقبل للرب فى بساطة الأطفال يحتضنه الرب كما إحتضن هؤلاء الأطفال ( مر10:16) ويباركه. وباركهم= الكلمة اليونانية تعنى باركهم بشدة مرة ومرات. ( مت 19:16-26 + مر 10:17-27 + لو18:18-27):- الشاب الغنى ( مت 19:16-26):- Mat 16:19-26 ( مر 10:17-27):- Mar 17:10-27 ( لو18:18-27):- Luk 18:18-27 هذه القصة مرتبطة بما سبق- فما سبق أن الرجوع لبساطة الطفولة هو شرط لدخول الملكوت- وتحدثنا هذه القصة عن الشرط الثانى وهو عدم الإعتماد على شىء سوى الله. ومن لوقا نفهم ان هذا الشاب كان رئيس أى رئيس مجمع لليهود أو عضو فى السنهدريم لكنه كان صادقاً فى سؤاله للمسيح لذلك أحبه يسوع (مر21:10).وقيل عنه ركض وجثا إذاً هو مهتم ويحترم المسيح. أيها المعلم الصالح.. لماذا تدعونى صالحاً.. ليس صالح إلاّ واحد وهو الله المسيح لم يقل له لا تدعونى صالحاً- والمسيح قال عن نفسه- أنا هو الراعى الصالح ( يو10:11). ولكن المسيح أراد ألاّ يكلمه الشاب بلا فهم كما إعتادوا أن يكلموا معلمى اليهود- إذ يطلقون عليهم ألقاب لا تطلق إ لاّ على الله وحده والمسيح لا ينخدع بالألقاب التى تقال باللسان- بل هو يطلب إيمان هذا الشاب القلبى بأنه هو الله- وانه هو الصالح وحده ""من منكم يبكتنى على خطية ( يو 8:46). والمسيح كان يقود الشاب خطوة خطوة. وكانت الخطوة الأولى أن يقوده للإيمان به- أنه هو الله- فبدون الإيمان لا يمكن فعلاً حفظ وصايا الناموس وبالتالى لا يمكن له أن يرث الحياة الأبدية. وإذا آمن هذا الشاب لأمكنه حفظ الوصايا. فكيف يصير كاملاً ؟ الخطوة التالية هى التخلى عن الثقة فيما نملكه وأن نضع كل ثقتنا فى المسيح هذا هو المعنى المطلوب لقول السيد أذهب بع أملاكك... والسيد بنفسه فى ( مر 10:24) فسر ما يعنيه بالقول السابق حين قال = ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله = فالبيع معناه أن أفقد إهتمامى بالشىء ولا أعود أعتمد عليه أو أضع فيه ثقتى =إتبعنى وبهذا المفهوم يستطيع الغنى أن يعطى للفقراء وللمحتاجين من ثروته دون خوف من المستقبل- فالله يدبر المستقبل- ولا يخاف مثلاً أن تضيع ثروته- فالله هو ضمان المستقبل- وليس الثروة. والسيد فى إجابته لم يقل أن الأغنياء لن يدخلوا إلى ملكوت السموات بل سيد خلوا إن هم قبلوا الدخول من الباب الضيق = مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله = ثقب الإبرة هو باب صغير داخل باب سور أورشليم الكبير. فهم تعودوا على إغلاق أبواب أورشليم قبل الغروب- وحينما تأتى قافلة متأخرة لا يفتحون الباب الرئيسى- بل باب صغير فى الباب الرئيسى. والجمل لا يستطيع أن يدخل من هذا الباب الصغير (ويسمى ثقب الإبرة) إلاّ بعد أن يناخ على ركبتيه (يركع على ركبتيه) وتُنْزَلْ كل حمولته ويُجَّرْ ويُدْفَعْ للداخل.وهكذا الغنى لا يدخل ملكوت السموات إلاّ لو تواضع وشعر أن كل أمواله هى بلا قيمة. وتدفعه النعمة دفعا- هذا معنى أنه عند الله كل شىء مستطاع = فالنعمة تفرغ قلب الغنى من حب أمواله وتلهب قلبه بحب الكنز السماوى. راجع (اتى 6:1 7-19). ومعنى الكلام أن الأغنياء يمكنهم ان يدخلوا الملكوت لو قبلوا الدخول من الباب الضيق والنعمة تعين من يريد.والمسيح بإجابته ليس أحد صالح يوجه الكل إلى عدم الرغبة فى محبة أى كرامة أو ألقاب مبالغ فيها- وأن ننسب كل كرامة لله لا لأنفسنا. وبقوله إذهب وبع كل أملاكك= هو قد لمس نقطة ضعف هذا الشاب أولا وهى محبته للأموال. الله ليس ضد الأغنياء فهو جعل سليمان الملك غنياً جداً وإبراهيم وإسحق ويعقوب وأيوب كانوا من الأغنياء. لكن المهم عند الرب هو أن لا يعتمد أحد أو يضع ثقته فى أمواله. مضى الشاب حزيناً= فالطبيعة البشرية بحكم التصاقها الشديد بمغريات هذا العالم- من العسير عليها جداً أن تترك العالم بإختيارها الطبيعة وتلتحق بالله والروحيات- ولكن بمساعدة نعمة الله تستطيع. هذا الشاب اراد أن يجمع بين حبه لله وحبه للمال ولكن محبة المال هى عداوة لله وأصل لكل الشرور ( 1تى 6:9- 10). والعبادة يحب ان تكون لله وحده. وطالما هذا الشاب معلق بحب المال بهذه الصورة- فيستحيل عليه أن يحفظ الوصايا تماماً. والعجيب ان الله يفيض من البركات الزمنية مع البركات الروحية لمن ترك محبة العالم بإرادته ( مت 19:29). وهذا ما حدث مع بطرس وباقى التلاميذ- فقد تركوا شباكاً ومهنة صيد وحصلوا على محبة الناس فى كل مكان وزمان وعلى أمجاد أبدية. ولاحظ فى ( مر10:19) أن السيد يضع من ضمن الوصايا لا تسلب فالرب غير مقيد بحرفية الوصية- بل هو يشرح روح الوصية- والوصية العاشرة تتكلم عن لا تشته بيت قريبك ولا إمرأته ولا عبده.. والأغنياء والحكام والرؤساء ومنهم هذا الشاب معرضون بحكم قوتهم ومركزهم أنهم إذا إشتهوا ما لقريبهم أو جارهم يأخذوه منه عنوة أى يسلبوه- وهم أيضاً ينهبون أجر الفعلة ( يع 5:4) (راجع قصة أخاب ونابوت اليزرعيلى) ·كثيرون من الأغنياء تبعوا يسوع مثل نيقوديموس ويوسف الرامى ولم يطلب منهم أن يبيعوا ما لهم ولكنه طلب هذا من الشاب لأنه كان متعلقاً بأمواله وأحبها أكثر من الله. فكانت أمواله هى التى تمتلكه وليس هو الذى يمتلكها. لذلك تصلى الكنيسة ""صلاحاً للأغنياء"". الله خلق العالم والمادة والأموال لنستعملها لا لتستعبدنا- وبهذا بدلاً من أن تسند الأموال الناس ربطت البعض فى شباك التراب- والسيد شرح أن العيب ليس فى المال بل القلب المتكل على المال (كما شرح هذا إنجيل مرقس إذ قال ما أعسر دخول المتكلين على الأموال…). ولما سمع التلاميذ هذا التعليم بهتوا إلى الغاية.. قائلين.. فمن يستطيع أن يخلص = لقد أدرك التلاميذ صعوبة الطريق بسبب إغراءات المال- وهم يعلمون أن الناس منكبين على المال لا يستطيعون أن يتخلوا عنه. واليهود كانوا يعتقدون ان لا شىء يفضل على الماديات. ·واضح أن هذا الشاب كان يبحث عن طريق الكمال- لقد حفظ وصايا الناموس فماذا بعد ؟ ماذا يعوزنى بعد ( مت 19:20) إذاً هو يطلب الكمال الذى فوق الناموس- ولا كمال فوق الناموس سوى المسيح الذى قال جئت لأكمل. لذلك حين قال الشاب للسيد ""أيها المعلم الصالح"" كان رد المسيح يعنى ""أنت لاتؤمن إنى الله- وإرتدائى للجسد قد ضللك فلماذا تنعتنى بما يليق بالطبيعة العلوية وحدها مع أنك لا تزال تحسبنى إنساناً مثلك"" وبهذا كان المسيح يجتذبه للإيمان به كإبن لله فهذا هو طريق الكمال- وإذا آمن به وجد فيه كل كفايته- وَجَدَ فيه اللؤلؤة الكثيرة الثمن- حينئذ يسهل عليه بيع اللالىء الكثيرة التى لديه أى يبيع أمواله- ويضع كل إعتماده وإتكاله عليه فقط. ·فى الثلاثة أناجيل تأتى قصة ذلك الشاب الغنى وقول المسيح أن من العسير دخول الأغنياء إلى الملكوت- مباشرة بعد قصة مباركته للأطفال وقوله أن لمثل هؤلاء ملكوت السموات- فالأطفال فى بساطتهم وعدم تعلقهم بالعالم يسهل دخولهم للملكوت- أماّ من تثقل بمحبة العالم فمثل هذا يصعب دخوله للملكوت. وبهذا فالإنجيل يعرض صورتين متناقضين أحداهما للحياة والأخرى للموت ليختار كل إنسان بينهما.( تث 30:10). الصورتين إحداهما تصور البساطة مع غنى الله والملكوت والأخرى تصور غنى العالم ومجده وهو زائل وفانى وسوف نتركه. ·ليس معنى هذه القصة أن الفقراء سيدخلون الملكوت بلا نقاش- فهناك فقراء بلا قناعة- متذمرين- يلعنون الزمان الذى جعلهم فقراء هكذا- يشتهون المال ضماناً لمستقبلهم- غير شاكرين الله على ما أعطاهم- فهؤلاء والأغنياء هم وجهان لعملة واحدة. العُملة هى عدم الإتكال على الله. ( مت 19:27-30 + مر 10:28-31 + لو 18:28-30):- ( مت 19:27-30):- Mat 27:19-30 ( مر 10:28-31):- Mar 28:10-31 ( لو 18:28-30):- Luk 28:18-30 بطرس هنا يقارن بينه وبين الشاب الغنى الذى رفض بيع أمواله وربما كان بطرس يريد أن يطمئن على نفسه. ولكن لنسأل بطرس ماذا تركت وماذا أخذت ؟ بطرس ترك شباكاً بالية وربما تركها لأنه ظن أنه يحصل من المسيح على مجد زمنى حين يملك المسيح. والمهم أن ندرك أن كل ما نتركه لن يزيد عن كونه أشياء بالية- بجانب ما سنحصل عليه من أمجاد فى السماء وتعزيات على الأرض= مئة ضعف = ربما ينظر الإنسان بفخر أن ما تركه لأجل المسيح كان شيئاً ذو قيمة- لكن حقيقة فإنه لا يوجد فى العالم شىء له قيمة. والله يعطى الكثير لمن يترك فهناك حقيقة مهمة..""أن الله لا يحب أن يكون مديوناً "" ولكن لاحظ الآية فى ( مر 10:30) يأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان … مع اضطهادات حقاً سيعوض الله من يترك العالم بخيرات زمنية مع تعزيات- ولكن لا ننسى أننا طالما نحن فى العالم- فالإضطهادات والضيقات هى ضريبة يفرضها العالم ورئيسه على من يحتقر العالم ويختار الحياة الأبدية- والله يسمح بهذه الضيقات 1) حتى لا يتعلقوا بالماديات ويفقدوا شهوتهم للسماء 2) بهذه الضيقات نَكْمُلْ ونزداد نقاوة 3) خلال الضيقات تزداد تعزيات الله 4) من يشترك مع المسيح فى الصليب سيكون شريكه فى المجد. تجلسون على إثنى عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل =سيكون التلاميذ فى يوم الرب العظيم كديانين للأسباط الإثنى عشر- لأن ما كان ينبغى لهؤلاء أن يفعلوه- أى أن يؤمنوا بالمسيح ويكرزوا به ويكونوا نوراً للأمم قد تخلوا عنهُ ولم يقوموا به- ولكن التلاميذ وهم من شعب اليهود أى لهم نفس ظروف اليهود قد قبلوا المسيح وآمنوا به وكرزوا به وصاروا نوراً للعالم- بل هم تركوا كل شىء لأجله. فماذا سيكون عذر اليهودى الذى رفض المسيح وهو يرى أمامه التلاميذ الذين هم مثله فى كل الظروف فى مجد عظيم بسبب إيمانهم بالمسيح. مئة ضعف=الذى يقبل أن يترك من أجل المسيح سيعوضه المسيح هنا فى هذه الأرض بكل الخيرات المادية التى يحتاجها والأهم التعزيات السماوية. فالراهب أو البتولى الذى يرفض الزواج يُحرم من وجود زوجة وأبناء له- ولكنه يتقبل من الله سلاماً فائقاً ولذة روحية خلال إتحاده مع عريس نفسه يسوع- هذه اللذة تفوق كل راحة يقتنيها زوج خلال علاقته الأسرية. وكل هذا ما هو إلاّ عربون ما سوف يناله من مجد أبدى. لاحظ قوله إخوة وأخوات وأولاداً.. وإمرأة = هذه شريعة الزوجة الواحدة- فلم يقل من يترك نساء بل إمرأة. والترك يعنى محبه المسيح أكثر وهناك شرط أن يكون الترك لأجل المسيح وليس لأى غرض آخر = لأجلى ولأجل الإنجيل= لأجل خدمة كلمة الإنجيل. أولون يكون آخِرين= هؤلاء هم من آمنوا أولاً ثم إرتدوا. والمقصود بهم اليهود والفريسيين فهؤلاء كانوا شعب الله لكنهم إذ رفضوا المسيح رُفِضُوا ويقصد بهم الأغنياء والملوك- فهم هنا أولون وفى الآخِرة آخِرون والآخِرون أولين = هؤلاء مثل الأمم كانوا فى وثنيتهم آخِرون وآمنوا بعد ذلك فصاروا أولون. وتشير للرسل والتلاميذ- فهؤلاء كانوا فقراء معدمين محتقرين فى الدنيا فجعلهم المسيح أولون. وكان من ترك حقه فى هذا العالم ليصير آخراً (أى يضع نفسه فى آخر الصفوف ) يجعله المسيح أولاً. وفى مرقس ولوقا يأتى بعد هذا مباشرة نبوة المسيح عن ألامه وصلبه وكأنه بهذا يضع نفسه كأعظم نموذج للترك- إذ ترك مجده أخذاً صورة عبد متألم يصلب فى نهاية الأمر..ولكن بعد هذا يقوم ويصعد ويجلس عن يمين الآب.. فهل نقبل أن نترك شىء لنحصل على هذا المجد المعد لنا.