تفسير يوحنا الإصحاح 14 — للقمص تادرس يعقوب ملطي
الإصحاح الرابع عشر: آية (1): ""لا تضطرب قلوبكم انتم تؤمنون بالله فآمنوا بي."" لا تضطرب= الإضطراب ينشأ من الخوف من المجهول أو بسبب شدة الحزن. وهنا التلاميذ نجدهم فعلاً في حالة إضطراب بسبب ما سمعوه من أن أحد التلاميذ ينكره وآخر يسلمه وأنه سيفارقهم- بل سمعوا أنه سيموت- بل إحساسهم بخيبة أمل في مملكة توقعوا قيامها وها هي أمالهم تنهار. والمسيح هنا يطمئن تلاميذه بأنه هو القائد الذي سيحميهم وسط الضيقات الرهيبة القادمة المجهولة- فالضيقات ينبغي أن تأتي على كل مؤمن. والمسيح يطمئنهم حتى لا يتزعزع إيمانهم (راجع مت10:16-22). والمسيح يطلب أن يضعوا رجاءهم في الله وفيه. قلوبكم= القلب هو مصدر الشعور والعواطف- ومصدر الخوف هو فقدان الصلة بالله- والصلة تأتي بالتمسك بالله بالإيمان- فالإضطراب والخوف هو الداء والإيمان بالله هو الدواء. فإذا ركز الإنسان فكره في الواقع المفزع أمامه يغرق في الحال- وهذا ما حدث مع بطرس إذ رأى الريح شديدة ولم يضع ثقته في الرب بل ركز رؤيته في الريح. فآمنوا بي= ثقوا بي. هنا نرى أن علاج الإضطراب هو الإيمان بشخصه المبارك ومعنى الآية- أنتم تؤمنون بالله وهذا حسن- ولكنكم حتى الآن لا تفهمون أنني واحد مع الآب. ولكنكم ستفهمون فيما بعد. وأنا أفعل ما أفعله حتى إذا جاءكم الموت وهو حتماً سيجيء فأنا سآتي وآخذكم إلىّ- فلماذا الخوف آمنوا أنني لن أترككم. وآمنوا أن كل ما أفعله يفتح لكم طريق الخلاص. ونلاحظ أن الثقة في المسيح تلاشي من النفس أي إضطراب. آية (2): ""في بيت أبى منازل كثيرة وإلاّ فإني كنت قد قلت لكم أنا امضي لأعد لكم مكاناً."" منازل= تناظر أروقة وغرف الهيكل. وكلمة منازل تعني إقامة دائمة. ونحن سننال مكاناً في السماء بحسب وعده هذا. منازل كثيرة= إذاً الملكوت لن يضيق بمن هو أهل له. وكلمة منازل لا تشير لدرجات مجد.. لكن هناك درجات مجد (هي درجات إضاءة مت13:43) وهكذا قال بولس الرسول أن نجماً يمتاز عن نجم في المجد ( 1كو15:22- 23- 41). منازل= أصلها بيوت نسكن فيها بصفة دائمة- هي مساكن دائمة وإقامة مستمرة (في اليونانية)- أماكن راحة. ونحن نقيم في الأرض هنا في خيمة (إقامة مؤقتة) نخلعها بالموت- إستعداداً لكي نحصل على بناء (جسد ممجد) في السماء لنقيم فيه نهائياً بعد طول تغرب ( 2كو5:1). المسيح قال هنا على الأرض ضيق لكن هناك لنا مكان مجد في السماء. هذا هو الحق الذي ليس فيه خداع. هنا سيخرجوننا من المجامع ( 16:2) لكن هناك راحة للجميع وأبدية. وإلاّ فإني قد قلت لكم= هذه تعني ""إذا لم يكن في بيت أبي منازل كثيرة لكم جميعاً هل كنت قلت لكم إني أمضي لأعد لكم مكاناً= توطين الإنسان عند الله مرة أخرى- فبعد أن دخل المسيح بجسد بشريته للسماء صار الحضن الأبوي يسع الإنسان الجديد المتبنى. المسيح هنا يطمئنهم بأن لهم كلهم أماكن في السماء- وأنهم لن ينفصلوا عنه- فهذا الإنفصال هو ما كانوا يخشونه. آية (3): ""وإن مضيت وأعددت لكم مكانا آتى أيضاً وأخذكم إلىّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً."" المسيح هنا يلطف من صدمة الفراق بل يجعلها ضرورة حتمية لنرث الملكوت ولا نظل في غربة هذا العالم فهي فرقة وقتية الآن لحساب إتحاد أبدي آتٍ. الآية تشير للسحابة التي كانت تتقدم الشعب فهو يتقدمهم إلى السماء. وفي هذه الآية إشارة للمجيء الثاني فهو جزئياً عاد لهم بعد قيامته وظل معهم 40 يوماً وهو الآن وسط كنيسته ( رؤ1:13- 2:1) نراه بالإيمان. آخذكم إلىّ= المسيح هنا يستقبل أولاده ويضمهم إلى حضنه- وهو الذي يحدد ميعاد إنتقالهم ليستقروا عنده بل هو يجذبهم إليه بحسب شدة قوة حبه الفائق. لذلك كانت شهوة القديسين أن ينطلقوا ويتخلصوا من سجن الجسد ( في1:23- 24). أتى أيضاً= كل مرة أتقابل مع المسيح في صلاة أو قداس نتقابل معه ثم أخيراً يأتي ليجذبنا للسماء معه. والملكوت هو حيث يكون المسيح سنكون نحن- بعد مجيئه الثاني. آية (4): ""وتعلمون حيث أنا اذهب وتعلمون الطريق."" المسيح يفترض أن تلاميذه قد فهموا الطريق الذي سيسلك فيه من خلال تعاليمه السابقة أي أنه سيصلب ويموت ويقوم ويصعد للسماء ليفتح الطريق للإنسان. آية (5): ""قال له توما يا سيد لسنا نعلم أين تذهب فكيف نقدر أن نعرف الطريق."" هنا نرى العجز البشري عن الفهم. هم ربما تصوروا أنه يصعد للسماء كإيليا فلا يروه. فهم لم يفهموا موضوع الجسد المكسور والدم المسفوك الذي قدَّمه لهم منذ دقائق. ولم يفهموا قصة تسليمه بواسطة يهوذا. وحتى إن فهموا إن المسيح سيسلم ويموت فكيف يكون هذا الموت طريقاً لحياتهم هم ورجاءً في القيامة. ولم يفهموا أن بتمسكنا بالمسيح وبثباتنا فيه نسلك نفس الطريق. وليس من الخطأ أن نسأل. فالإعلان القادم أعلنه المسيح لمن تساءل بأمانة لأنه يريد أن يعرف. آية (6): ""قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي."" أنا هو الطريق= هذا جواب المسيح على من يتساءل أين الطريق. فهو كإبن حمل جسد بشريتنا ثم صعد للآب من حيث جاء وذلك من خلال قوة قيامته وبواسطة روح الحياة الأبدية التي فيه ليرفع البشرية التي فيه للآب السماوي ويصير هو الطريق الوحيد (وليس سواه فهو لم يقل طرق) الموصِّل للآب بإستعلان شخص الآب في نفسه وبالوصول إلى الآب وهو حامل جسد بشريتنا وبذلك لا يستطيع أحد أن يأتي إلى الآب إلاّ به. هو طريقنا في حياتنا اليومية وآلامنا وبدونه نضل ونهلك- فهو سبق وإختبر نفس الآلام بل وأكثر منها بما لا يوصف وعَرِف كيف يواجهها- وإختبر الموت وقام وصعد للأقداس السماوية إلى الآب السماوي فمن يثبت فيه يقدر أن يواجه آلام العالم مهما كانت صعوبتها ويواجه الموت ويكون المسيح طريقه للأقداس السماوية. مثال: إنسان تائه في جو مطير ورعد ورياح وظلمة وهو خائف. ظهرت له سيارة حملته لمكان آمن. هذا الإنسان هو أنا وسط آلام هذا العالم وتجاربه. والسيارة رمز للمسيح الذي يحملني فيه لأعبر آلام هذا العالم في سلام وإطمئنان إلى السماء.. إلى أحضان الآب- بعد أن كان الإنسان قد فقد علاقته بالآب بسبب الخطية. هو صالحنا مع الآب. الله نزل لنا ليحملنا فيه ويرفعنا لله"" ""لا أحد يأتي للآب إلاّ بي"". فكرد على توما لسنا نعلم أين تذهب= يرد السيد أنا ذاهب للآب لآخذكم فيّ للآب. فلا أحد يصل لله إلاّ بالمسيح. المسيح لم يعطنا طريقة ووصفة ووصايا نصل بها للآب. بل قدم نفسه طريقاً إلى الآب- ندخل به للآب دون أن نخرج من الإبن لأن الإبن في الآب. هكذا بإتحادنا به نتحد بالآب. لذلك يقول المسيح إثبتوا فيّ ( يو15:4). إذاً كل ما على المؤمن أن يثبت في المسيح وبهذا يكون في طريقه للأقداس السماوية دائساً آلام هذا العالم. والحق= الكلمة تعني الشئ الثابت- الذي لا يتغير- وتعني ذات الله. ورسالة المسيح كانت أنه يستعلن الآب ( يو1:18) فالإنسان بسبب الخطية فقد معرفة الله أما المسيح فهو الوحيد الذي يعرفه ويدُركه ونحن لا ندركه (وإذ لم يدرك الإنسان الله عبد الشمس..الخ). [الآب كلمة سريانية تعني المصدر فَضَلّت اللغة العربية إستخدامها تمييزاً للآب عن أي أب آخر]. والمسيح لا يُعَلِّمْ الحق عن الله- بل هو الحق الإلهي نفسه- الحق الكامل المطلق ليس فيه ذرة بطلان ولاشك بل هو يبدد كل ما هو باطل وما هو خطأ. فالمسيح هو الذي أعلن الحق- أعلن الله وأدخله إلى العالم في شخصه فهو ""بهاء مجده"" إذ هو حامل لملء اللاهوت ( كو2:9- 10). هو الله الإبن وهو إستعلان الآب. هو الوحيد الذي يشهد للحق ( يو18:37) وبه نعرف الحق ( 1يو5:20 + يو1:14). فالذي يدرك المسيح يدرك الله الآب. المسيح هو الحق لأنه كلمة الله- وهو يعلن لنا كل ما يلزمنا معرفته عن الله وعن أنفسنا. والمسيح هو الحق معلناً في قداسته ومحبته. المسيح هو الحق والعالم هو الباطل. المسيح هو الحق الذي ينبغي أن نؤمن به ونشهد له حتى الموت. هو أظهر الحق بأقواله وأعماله. المسيح هو الدائم للأبد والذي يعطي فرحاً حقيقياً لكن العالم عاش وخادع بلذاته وزائل (سراب) ويبلى وينتهي فهو ليس حق بل كذب. فالحق الوحيد الذي لا يتغير هو الله. والحياة= المسيح كانت فيه الحياة ( يو1:4 -24:5 -57:6-63 - 10:10-31:20). إذاً المسيح لا يمنح حياة غير حياته بل حياته هو ذاته. وهو مات ليفتدينا ويعطينا حياته فهو إشترى لنا الحياة بموته ووهبنا إياها بروحه بعد أن فقدناها بالخطية. ""أنا إختطفت لي قضية الموت"" لكن المسيح الحي المحيي- بل الحياة ذاتها أتى ليعطيني حياة فلا أظل ميتاً للأبد. الموت هو إنفصال عن الله. والمسيح أتى ليتمجد بي فتعود لي الحياة ""لي الحياة هي المسيح"" ( في1:23) وهو حياة أبدية ""من يأكلني يحيا بي"". إذاً المسيح هو الطريق الذي نثبت فيه لنصل به إلى الحياة ويكون معنا كحق نشهد له في جهادنا. كل طريق غيره ضلال وكل حق سواه باطل وكل حياة عداه موت. بدون الطريق لا تقدم ولا مسير وبدون الحق فلا معرفة وبدون الحياة فهناك موت. هو الطريق الذي علينا أن نتبعه والحق الذي علينا أن نؤمن به والحياة التي نسعى لنوالها. هو الطريق الوحيد للحياة الأبدية. هو حياة الله المعطاة للإنسان. وهو الطريق الذي به نشعر بأبوة الله لنا. أنا هو= تشير للكيان الحي الإلهي. وأنا هو هي ترجمة يهوه العبرية. ليس أحد يأتي للآب إلاّ بي= هدف التجسد هو وصول الله للإنسان ووصول الإنسان إلى الله الآب. وهذا تم بالتجسد (الطريق) ثم إستعلان الآب في الإبن (الحق) ثم موت المسيح لنقبل حياته المنسكبة بالموت (الحياة). في الآيات السابقة نجد المسيح يعزي تلاميذه ويرسم لهم طريق السلام. [1] الإيمان والثقة به [2] هم لهم مكان في بيت أبيه وسيأتي ويأخذهم إليه [3] هو الطريق والحق والحياة. آية (7): ""لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه."" هنا مراجعة وعتاب فالمسيح معهم كل هذه السنين ولم يعرفوه. فهو قال لهم أنه ""أنا هو"" وأنه النور والخبز والقيامة.. ورأوا أعماله وإستمعوا أقواله. فالآب غير مدرك ولا منظور ولكن المسيح أعلنه في نفسه وعًرَّف به العالم ( لو10:22) [في ( لو10:21-24) نرى أن فرحة الإبن هي بأن نعرف الآب. وما أخفى عن الحكماء هو معرفة الآب التي أعلنها للأطفال (المتضعين البسطاء) وما ينظرونه ولهم الطوبى عليه هو شخص الآب في صورة المسيح]. لذلك كل من رفض المسيح فهو قد رفض الله فكيف يرفض المسيح الذي هو صورة الله ( يو15:23-25). من الآن تعرفونه= من ساعة بدء المحنة التي ستأتي بعد دقائق والتي تُكَمَّلْ فيها مشيئة الآب وطاعة الإبن. ولكن التلاميذ لم يدركوا كل هذه الأسرار الخاصة بالإبن إلاّ بعد حلول الروح القدس الذي أعطاهم فهماً لسر الآب والإبن. ونلاحظ أن من ساعة الصليب سيبدأ الإعلان عن محبة الآب والإبن لنا. ونحن نبدأ نعرف الله ونتذوقه خلال قبولنا للألم وللصليب. ومن ( 1يو2:13- 15) نفهم أن الطريق لمعرفة الآب هو عدم محبة العالم وأن نغلب الشرير. وقد رأيتموه= رأوا المسيح الذي هو صورة الآب. فداء المسيح أدى لإرسال الروح القدس الذي يعطينا رؤية حقيقية بها نعرف الآب والإبن. آية (8): ""قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا."" المشكلة هنا أن فيلبس يريد أن يرى شيئاً محسوساً بعينيه كما حدث أيام موسى ورأوا الله على الجبل- كان فيلبس يظن أن المسيح يريه ما هو أعظم. وكيف يرى اللامحدود بعينيه. هذه الطلبة تشبه طلبة موسى ""أرني مجدك"". هو تصوَّر أنه كما يرى المسيح بالجسد يمكنه أن يرى الآب. ولكنه لم يُدرك أن تجسد المسيح هو الذي مكنه من رؤية الجسد- أما اللاهوت فلا يُرى بالعين قط ( يو1:18) ولكن داخل المسيح يسكن كل ملء اللاهوت. ومن يسمع كلام المسيح يدرك أبعاد لا يمكن إدراكها بالحواس الجسدية ( يو8:43) فإذا تكلم الإبن أو عمل- يظهر فيه الله الآب غير المنظور- فالمسيح يستعلن الآب بأعماله وأقواله. وفيلبس أخفق في أن يرى الآب المتكلم في الإبن. هم لم يفهموا في ذلك الوقت أن الآب في الإبن والإبن في الآب. آية (9): ""قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب."" المسيح هنا يعاتب فيلبس على إخفاقه هذا. وسبب هذا الإخفاق أن فيلبس كان مرتبطاً بالعالم ويخاف الموت وهذا ما ظهر عند هروبه ساعة الصليب فمحبة العالم تطفئ بصيرة الإنسان الروحية ( يع4:4). فكيف تقول أنت أرنا الآب= هنا المسيح يواجه فيلبس بحقيقة صعبة وهو أنه لم ير المسيح بعد وهذا ثبت من أنه لم ير الآب بينما أن المسيح كان يستعلن الآب. وأنا معكم= ولم يقل وأنت معي- لأن المسيح هو الذي أتى لفيلبس وللبشرية كلها وليس العكس. آية (10): ""ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال."" المسيح الإبن والآب هما كيان واحد بلا إنفصال ( يو10:30). والجسد الذي أخذه الإبن لذاته ووحده بلاهوته قد دخل في هذا الكيان دخولاً أبدياً متميزاً ( يو3:13). وهذه حقائق ندركها بالإيمان ( يو3:36). والمسيح يقدم برهان وحدته مع الآب على مستويين [1] كلامه= الكلام الذي أكلمكم به.. هو يعلن الآب لنا بكلماته وأعماله. [2] أعماله= هو يعمل الأعمال فالإبن هو قوة الآب. وهذا هو مفهوم بولس الرسول في ( عب1:1- 2) فأعمال المسيح هي إستعلان الآب ومشيئته من نحو الإنسان وذلك بتجديد طبيعة الإنسان- الآب يعمل بالإبن فهو ذراع الآب ( أش51:9- 10 - 52:10) لذلك يقول ""جئت لأصنع مشيئة الذي أرسلني"". وكان المسيح يقدم نفسه دائماً كمثل أعلى للإنسان الجديد الذي يسمع للآب ويطيعه. فالمسيح كان يطبع فينا صورته فنطيع الآب. وكلام المسيح هنا نفهم منه أننا عدنا للحالة الفردوسية الأولى حين كان الله يكلم أبوينا آدم وحواء. ألست تؤمن= فهناك إرتباط الإيمان والرؤية- فلا رؤية إلاّ بالإيمان. لست أتكلم به من نفسي= أي ليس كلام إنسان عادي كما ترونني أمامكم الآن. بل هو كلام الله الآب يعلنه فيَّ. آية (11): ""صدقوني أني في الآب والآب في وإلاّ فصدقوني لسبب الأعمال نفسها."" المسيح هنا يطلب أن يصدقوه وإن لم يصدقوا فإن أعماله تشهد له. إني في الآب والآب فيّ= هذه تعني أن الآب والإبن هم واحد وتعلن التساوي المطلق. لكن التمايز بينهما يعني أن لكل أقنوم عمله فالآب يريد والإبن ينفذ هذه الإرادة ويعلنها وهذا معنى الآية السابقة. وهذه الحقيقة نستنتجها من كلام المسيح عن إرسال الروح القدس فمرة يشير لأن الآب سيرسل لهم الروح القدس ومرة أخرى يقول أنه هو الذي سيرسل الروح القدس ( يو14:26 + يو15:26) والآن إن لم يصدقوا المسيح فليصدقوه بسبب أن الأعمال التي يعملها تشهد بأن الآب فيه وهو العامل فيه. إن هدف المسيح هو أن يظهر محبة الآب لهم وأن الآب يشتاق أن يُسعِد البشرية- وأن هذه هي مشيئته أن يعود البشر للحياة مع الله وأن سعادة المسيح تتركز في توصيلنا للآب لنشترك في نفس الحب الذي به يحب الآب الإبن ( يو17:25- 26) وأعمال المسيح تنطق بحب الآب فهو يشفي المقعد ليعلن أن مشيئة الآب هي تصحيح ما فسد في طبيعتنا العتيقة. ويفتح أعين الأعمى ليعلن أن مشيئة الآب هي أن النور الإلهي يعمل في الطبيعة العتيقة. وهو يقيم من الأموات ليعلن أن إرادة الآب هي أن يعطينا حياة أبدية. صدقوني إني في الآب والآب فيّ= هذه طبيعتي أنني غير منفصل عن الآب. وهذه تحتاج لإيمان. وإن لم تفهموا هذا فصدقوني بسبب الأعمال= وهذه تحتاج لتصديق بالعقل. آية (12): ""الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فالأعمال التي أنا اعملها يعملها هو أيضاً ويعمل اعظم منها لأني ماض إلى أبي."" في الآيات (8-11) كان المسيح يركز على العلاقة بينه وبين الآب والآن ينتقل ليوضح هذه العلاقة بالنسبة للتلاميذ. فمن يؤمن بالمسيح (ومن يؤمن بالمسيح يؤمن بالآب حتماً) سيستطيع أن يعمل نفس الأعمال التي عملها الآب بالإبن ( أف3:17-20) وذلك لتكمل الخدمة وتستمر الكنيسة في مواجهة إضطهاد العالم. الحق الحق= إذاً الرب سيعلن حقيقة جديدة. وهي أن مفارقته لتلاميذه ستكون سبب قوة عظيمة لهم. والسبب أنه سيكون فيهم. وهو سيكون في مجد الآب. فسبب القوة التي ستكون فيهم هو المجد الذي سيكون المسيح فيه. المسيح رفع البشرية فيه. ومن يعطينا حياة المسيح فينا هو الروح القدس. ماضٍ إلى أبي= رفع للبشرية وإكمال الفداء وإرسال الروح القدس. ويعمل أعظم منها= فنازفة الدم شفيت بلمسها للمسيح أمّا بطرس فكان ظله يشفي المرضى ( أع5:15) وبولس كانوا يأخذون المآزر من على جسده فتشفي الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة ( أع19:12). وأيضاً نحن لنا فكر المسيح ( 1كو2:16) فنحن نعمل أعماله ويكون لنا فكره- فهو زرع حياته فينا. وما نعمله هو بإسمه ولكن كان التلاميذ يصنعون هذه المعجزات بإسم المسيح أي بقوته ( أع3:6) (فهم كطفل يمسك أبوه بيده فيرسم لوحة رائعة) لذلك فكل عمل نعمله هو بإسم المسيح. حتى صومنا وصلاتنا. وكان الناس يؤمنون بالتلاميذ وبالتالي يؤمنون بالمسيح لأني ماضٍ إلى أبي= أي لن يستطيع التلاميذ أن يفعلوا شيئاً إلاّ بعد أن يتم الفداء ويذهب المسيح إلى الآب ويرسل الروح القدس يعمل فيهم ويتم إتحاد المسيح بتلاميذه ويشفع فيهم أمام الآب فيواصلون عمله الذي بدأه على الأرض ( أع1:1 + يو7:39). فأغصان الكرمة لا تأتي بثمر إلاّ إذا إتحدت بالكرمة إتحاداً قوياً. وأهم معجزة سيقوم بها التلاميذ هي إقامة الموتي بالخطايا- فيأتون بهم إلى حياة أبدية ولذلك آمن بعظمة بطرس 3000نفس. أعمال التلاميذ كانت أعظم لكن كان المسيح هو العامل فيهم. عموماً العمل هدفه مجد الله. والتلاميذ ليغيروا شعوب وثنية إحتاجوا لأعمال أعظم. فما تحتاجه الكرازة يعمله المسيح في رسله. فكانت أكبر معجزة تغيير الأمم الوثنيين إلى المسيحية. آية (13): ""ومهما سألتم باسمي فذلك افعله ليتمجد الآب بالابن."" مهما سألتم= أي صليتم. وهنا نرى أننا نطلب من الآب بإسم المسيح- والمسيح يعمل والروح القدس يعلمنا ماذا نطلب ( يو15:5- أف2:18- رو8:26). والروح يعلمنا أن نطلب بحسب مشيئة الله ليستجيب لنا الله ( 1يو5:14). وحينما يستجيب لنا الآب حينما يعمل الإبن يتمجد الآب بالإبن= لأننا سنمجد الآب وهذا هو هدف الإبن. بإسمي= وليس لإرضاء الذات وشهواتها. ولكن يتمجد الله. لذلك يمكن أن تعملوا أعمال أعظم من أعمالي إذا طلبتم بإسمي لمجد الآب. والإسم ليس هو إسم الشخص- لكن هو قدراته وقوته- والمسيح بفدائه صار لنا قبول عند الآب. ولهذا يستجيب الآب لصلواتنا بإمكانيات دم المسيح. آية (14): ""إن سألتم شيئاً باسمي فإني افعله."" هذه يبدو أنها تكرار للآية السابقة ولكن هناك فرق. ففي آية (13) يشرح أن الآب يسر ويتمجد بسؤالنا وتنفيذ طلباتنا. أما في هذه الآية نرى أن المسيح يضع كل إمكانياته رهن سؤالنا. بإسمي= الإسم يعبر عن الشخص بكل قوته وكرامته. لذلك فهذه الآية تظهر إمكانيات المسيح الفائقة وتشير لمجد المسيح أيضاً. والدعاء بالإسم يصير هو إستدعاء ودخول للحضرة الإلهية. ولذلك ففي بدء القداس يقول الكاهن.. خين إفران إم إفيوت.. أي بإسم الآب والإبن والروح القدس. وهذا إستدعاء للثالوث ليحل ويقدس القرابين وينقل الموجودين إلى الحضرة الإلهية التي للثالوث الأقدس وبهذا فإن المسيح أبقى على حضوره السري مع كنيسته في كل حين كلما إحتاجوه كمصدر قوة وعمل وعزاء. نحن نطلب الآن من الآب ليس فقط عن طريق علاقة الله بكل البشر صالحين وأشرار- بل بطريق جديد طهره المسيح بدمه. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية وما يعطينا ثقة للسؤال. الآيات (15-16): ""إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا اطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد."" في الآيات (12-14) يكلمنا المسيح عن الإيمان الذي به نسأل فيستجيب لنا. وهنا نسمع عن الحب. فالإيمان يُخْتَبَرْ بأن نسأل أسئلة- ومحبتنا تختبر بأن نحفظ الوصايا أي نطيع الوصايا. والسيد يعد بإرسال الروح القدس الذي يعيننا على حفظ الوصايا ( رو8:26). الإيمان يأتي أولاً ثم الحب ومن يحب يطيع الوصايا والروح القدس هو الذي يعطينا الحب فنحفظ الوصايا. ومن يحفظ الوصايا يكرهه العالم- لذلك يعد المسيح بأن يُرْسِلً الروح المعزي ليعزينا إن أساء العالم لنا وليعلمنا الوصايا- ويشرحها لنا- ويكتبها في قلوبنا. هنا نجد معزٍ ماضٍ ومعزٍ آتٍ فقوله إحفظوا وصاياي هي وصية وداعية. معزٍ ماضٍ تعني أن المسيح بوجوده بصورة جسدية على الأرض- هذا سينتهي بصعوده لكنه موجود في الكنيسة دائماً بحسب وعده ( مت28:20) والروح القدس يسميه المسيح هنا المعزي والكلمة تعني المحامي الذي يساند المتهم ويشفع فيه ويدافع ويحامي عنه حتى يحصل على البراءة- فيفرح الإنسان بالبراءة. والروح يظل يبكت ويعين حتى نتوب فيشهد لنا بقبول الله لنا وأننا أبناء ويعطينا الفرح فنصرخ يا آبا الآب ( غل4:5-7). هذه هي الراحة التي يعطيها لنا الروح. والمعزي جاءت ""المحامي الأعظم"" باراكليتوس ولاحظ في آية (16) ظهور الثالوث (الآب) واإلإبن (آخر) والروح (معزياً) وأنا أطلب= هذه شفاعة المسيح عنا. فبشفاعته يرسل الآب الروح القدس ليلازمنا. آية (17): ""روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه وأما انتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم."" كما أن المسيح هو الحق كذلك الروح القدس هو حق. ولأن المسيح ماضٍ فهو يرسل الروح القدس لهم. وهو الحق الذي سينطق على أفواههم وفي قلوبهم ليسمعهم العالم كله. وهو روح الحق لأنه يرشد للحق- وهذا في مقابل روح الضلال الذي في العالم. الإبن كان يعلن الآب.. هذا هو الحق الذي يقوله المسيح ويعمله. والحق الذي يقوله ويعمله الروح القدس فيهم وبهم هو الإعلان عن الإبن وإستعلان الآب الذي في الإبن ( 1يو4:13-15). والحق= غير المتغير بل ثابت. وإذا كان المسيح هو الحق. فروح الحق هو روح المسيح. فمن هو مملوء بالروح لا يتقلب ولا يتغير. لا تجده يوماً في فرح ويوماً آخر في حزن وهكذا لا يتغير بتغير الظروف. لا يستطيع العالم أن يقبله= فالروح القدس هو روح الحق- أما روح العالم فهو روح التزييف والضلال. وكما رفضوا المسيح وصلبوه وهو الحق ( يو15:24- 25 + لو17:25) هكذا رفضوا الروح القدس الذي ينطق على فم التلاميذ برفضهم للتلاميذ ورفضهم للروح القدس لأنهم يرفضون المسيح والروح يشهد للمسيح ( يو15:21). والعكس فمن يقبل المسيح يرفض العالم ( 1يو2:15). يقصد بالعالم الذين أحبوا العالم فحملوا إسمه. لا يراه ولا يعرفه= الروح القدس لا يُرى بالعين المجردة- ولكن يُرى بالعقل الروحي. والعالم ليس لديه هذه الإمكانية- فهو حق لا يُدركه من إنشغل بالعالم بل يُدركه من أعطاه الله وإنشغل بالحقائق الروحية والممارسات الروحية ( عب5:14) لتصير له الحواس مدربة. وكل من يتوقف من المؤمنين عن الممارسات الروحية يتوقف فيهم مركز الإتصال بالله ويفقدوا حساسيتهم وتصبح معرفة الله غير واضحة لهم- وهذا يحدث لمن ينشغل بالمحسوسات. مثل هذا يصير إنساناً طبيعياً وهي الصفة الدنيا أي إنسان العالم (راجع 1كو2:11-16). فمن ينشغل بالروحيات ويقارن الروحيات بالروحيات يصلي ويقرأ كتابه المقدس ويتأمل فيه تصير له الحساسية الروحية وحواسه الروحية مفتوحة- يرى الحق ويمتلئ سلاماً وفرحاً وراحة. أمّا من ينشغل بالعالم لن يجد الراحة فالإنسان مخلوق على صورة الله ولن ترتاح الصورة إلاّ على أصلها. الحق عكس العالم الباطل- فالعالم متغير متبدل تافه- لا أمان له ومن يلصق نفسه به يصير مثله- أمّا الحق فلا يتغير ولا يتبدل. من يعيش وراء العالم سيعلو وينخفض معه كموج البحر ولا يهدأ إلى أن ييأس- أما من يعيش مع المسيح فسيجد الفرح ( يو14:27- 16:22). لا يستطيع أن يقبله= أي لا يستطيع أن يستقبله فليس له جهاز إستقبال الذي به يدرك الحق- فمراكز الوعي الروحي عنده معطلة- حواسه التي تعمل هي حواس الجسد الذي يدرك الملموسات- الشيطان أعمى العالم عن كل ما هو سماوي بأن فتح أعين العالم على كل ما هو أرضي ومادي وجسداني. إذاً مثل هذا لن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. بل إن من إنفتحت حواسه على العالم صارت ملذاته في العالم بل أصبح لا يحتاج لله وهذا يغلق جهاز الإستقبال تماماً. فالعالم لا يدرك سوى المحسوسات ( 2كو4:3- 4 + أف2:1-5 - 1يو5:19- 20). فالعالم مملوء شراً وأباطيل فكيف يعرف الحق والروح القدس هو روح الحق. هذا العالم لا يفهم الأمور الروحية. فالروح القدس لا يُعرف من الخارج بل من الداخل نشعر به وبعمله. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم= ماكث معهم الآن بمكوثهم مع المسيح. ويكون فيكم= لما يرفع المسيح سيأتي الروح القدس ليقيم فيهم ويشترك معهم بل يعمل الأعمال التي سيعملونها. الروح القدس يقيم فينا ويدرب حواسنا فيفتحها ونكون هياكل له ويغير طبيعتنا ويقدسها ويجددها كأنه يخلقها من جديد. ماكث= لن يفارقكم كما سأفارقكم أنا الآن بالجسد. الحق= هو وصف لله. فالآب حق ( يو17:3) والمسيح حق ( 14:6). والروح القدس حق (هذه الآية) وهو يعلن حق الله ومجد الله وصدق ومحبة الله وشخص إبن الله ويرشد للحق. آية (18): ""لا أتترككم يتامى أني آتى إليكم."" لا يزال المسيح يعزي تلاميذه على الفراق بعد موته وقيامته ولكنه يعطيهم وعد بأنه سيظل حاضراً في كنيسته فهو رأس الكنيسة ( مت28:20) ولكن ذهابه للآب ضروري لصالحهم. والروح القدس يكشف لنا عن عمل المسيح ووجوده في كنيسته وعمله لي شخصياً ( غل2:20) لا أترككم يتامى= إشارة لموته. فهم سيشعرون باليتم إذ يفارقهم السيد- لكن الروح القدس عمله التعزية. إني آتي إليكم= إشارة لقيامته. آية (19): ""بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما انتم فترونني أني أنا حي فانتم ستحيون."" لا يراني العالم= يقصد بالجسد. فالعالم لم يكن يدركه إلاّ كإنسان وبموته لن يعودوا يرونه. أمّا أنتم فترونني= ترونني هنا تفيد الرؤيا اليقينية. أي يرونه بالرؤيا الروحية أي يعطيها الروح القدس بالإيمان. وبالإضافة لذلك فهم رأوه فعلاً بعد القيامة. إني أنا حي= المسيح يشير لقوة القيامة التي فيه وكأن الموت سيعبر به عبوراً وكأنه لم يكن. هو حي وبعد القيامة والصعود سيظل مع الآب في المجد. وكل من يؤمن بالمسيح تكون له حياة= فأنتم ستحيون= حياة المحبة والإيمان والرجاء على الأرض وحياة المجد في الأبدية. أنا حي فأنتم ستحيون= فالمسيح يعطينا حياته ( في1:23- غل2:20). الحياة التي فيه ستنتقل لنا. آية (20): ""في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وانتم في وأنا فيكم."" هو سبق وقال في الآية السابقة ""ترونني"" أي الروح القدس يستعلن المسيح- بل سنعرف طبيعة المسيح وأنه في أبيه وأننا فيه وهو فينا سر حياتنا. هنا نرى كيفية إمتداد حياته إلى تلاميذه وأن ذلك يكون بالروح. في ذلك اليوم= يوم الخمسين- يوم حلّ الروح القدس روح المعرفة والفهم= تعلمون. والروح القدس يشهد للمسيح أنه إبن الله ( يو20:30- 31) وهو يستعلن علاقتنا بالمسيح وبأننا صرنا ورثة ( رو8:14-17). إني أنا في أبي= يشير للوحدة القائمة بين الآب والإبن- وحدة الطبيعة أو الجوهر- وجوهر الله ألوهيته. هذه الحقيقة لا يفهمها التلاميذ الآن- لأنهم يروا المسيح كإنسان. فالآب والإبن هما بالطبيعة متحدان ليكونا الذات الإلهية الواحدة- الله. لهما المشيئة الواحدة. الروح القدس يشهد لنا بهذه الحقيقة. ما لستم تدركونه من علاقتي بالآب سيشرحها لكم الروح القدس. فالروح يعطي إنفتاح للذهن. أنتم فيّ وأنا فيكم= المتكلم هنا هو المسيح إبن الله المتجسد- الذي إتحد بالطبيعة البشرية- وصارت الكنيسة جسده. وقوله أنا فيكم أي في طبيعتكم وأنتم فيّ أي طبيعتكم صارت فيّ. وهذا هو ما فتح لنا المجال لنطالب بحق هذا التجسد. وهذا الحق هو الشركة معه أو فيه أو في حياته- ويكون له هو الشركة في حياتنا. هي حالة إتحاد. ولكن هناك فرق شاسع بين قوله أنا في أبي.. فهنا إتحاد على أساس وحدة الطبيعة أي الجوهر الإلهي- وبين قوله أنا فيكم.. الأولى أنا في أبي تعني أنهما ذات واحدة ولكن أنا فيكم لا يوحد الذات ولا يرفع الفوارق بل يعطي حقوقاً مجاناً ويُعبَّر عنه بمفهوم الشركة في حياة المسيح ( في3:9) أوجد فيه + ( غل2:20 + يو6:56- 57) وأنا فيكم= هذه مثل ""يحل المسيح بالإيمان في قلوبكم"" ( أف3:17). هذه الشركة معه لن تبلغ مداها إلاّ في الحياة الأخرى- ولكنها تبدأ تتحقق منذ الآن جزئياً على مستوى الإستعلان بواسطة الروح القدس وبتقديس الروح أيضاً وبالتغيير والتجديد المتواصل. بخلع الإنسان العتيق ولبس الإنسان الجديد الذي يتجدد بحسب صورة خالقه. وعلى أساس الإتفاق الكامل في العمل والمشيئة مع الروح القدس لتكميل الحياة المسيحية. ومن له شركة مع المسيح بالروح سيدرك حقيقة المسيح المنيرة وصورته تصبح لا تفارق النفس الواعية بوجوده- وهذا يملأ النفس فرحاً وسلاماً حقيقياً. آية (21): ""الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني والذي يحبني يحبه أبي وأنا احبه واظهر له ذاتي."" الذي عنده= الذي قد سطرها في قلبه وأطاعها فالطاعة علامة المحبة. ووصايا المسيح هي محبة الكل وخدمة الكل وغسل أرجلهم وحمل الصليب وترك محبة العالم والصلاة بدون ملل لينسكب الروح. وتكريم المسيح يكون بحفظ وطاعة وإحترام كلمته وكل وصية قالها أبي= هو أب خاص لي. يحبه أبي= ""أكرم الذين يكرمونني.."" ( 1صم2:30). ومن يُكرِمْ المسيح بحفظ وصيته يُكرِمْ الآب. ومن يحب المسيح يؤهل ليكون محبوباً من الآب. فبالحب الذي يحبني أبي به يحب به الآب من يحبني. فالمسيح هو الحامل لإسمه والآب في الإبن. وأنا أحبه= حب الآب هو حب أبوي يدخلنا لميراث البنين وحب الإبن هو حب العريس لعروسه. وأظهر له ذاتي هو ظهور فائق لمظاهر المادة والعالم- هو ظهور لا تدركه سوى الحواس الروحية. هي معرفة داخلية للمسيح يعرفها من يحفظ الوصايا أي يحب المسيح. هذه إنارة خاصة من المسيح. هي حالة روحية متقدمة نرى فيها مجد الدهر الآتي. والمسيح يظهر ذاته بحسب إحتياج كل واحد (وهذا يتضح من رسائل سفر الرؤيا السبع) فالمسيح كان يظهر لكل كنيسة بصورة تتناسب مع إحتياجتها). إذاً لن يدرك المسيح ويراه بعينه الروحية ويستمتع بنوره سوى من يطيع الوصية ويوحنا كرر هذه الآية في رسالته ( 1يو4:21) لنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً"". آية (22): ""قال له يهوذا ليس الاسخريوطي يا سيد ماذا حدث حتى انك مزمع أن تظهر ذاتك لنا وليس للعالم."" لم يفهم يهوذا أن الظهور الذي يقصده الرب هو ظهور روحي. فيهوذا كان يتوقع أن يملك المسيح على أورشليم ملكاً مادياً. فالمسيح يتكلم عن السموات ويهوذا يفكر في الأرض. الرب يعلن ألوهيته ويهوذا ينظر للجسد. يهوذا هو لباوس أو تداوس كاتب رسالة يهوذا وهو أخو يعقوب كاتب الرسالة. آية (23): ""أجاب يسوع وقال له إن احبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً."" المسيح يشرح ليهوذا أنه سيظهر لتلاميذه وسيرونه ولكن ليس بالجسد كما يفهم هو- ولن يراه سوى من يحبه ويحفظ وصاياه. هنا المسيح يرفع فكر يهوذا للاهوته فقوله إليه نأتي= أي أنا والآب فنحن واحد- وهذه إشارة لوحدانيته مع الآب. ولاحظ أنه سبق وقال إن الروح ماكث معكم ويكون فيكم. فلا إنفصال بين الأقانيم. ومعنى كلام الرب إن أردتني أن أظهر لك فأعمل ما يحبه الآب. عنده نصنع منزلاً= (هذه مثل رؤ3:20- لو17:21). وكلمة عنده تفيد إقامة المعيَّة وليس إقامة الحلول. فالآب يكون معنا يسكب حبه الأبوي فنستمتع بالنبوة لله. نصنع منزلاً= الله هو الذي يصنع منزلاً عند من يطيع الوصية- فيسمح لله بأن يصنع المنزل. وعدم طاعة الوصية يعطل الله عن إقامة المنزل فالخطية تمنع عمل الله والخطية تنشأ من عدم المحبة. والمسيح يكون كقائد ومخلص والروح القدس للتعليم والشهادة والدفاع عن الإيمان. وهذا تنازل من الله أن يسكن عندنا الآن هنا على الأرض ويشترك معنا في ضيق الحياة وتنازل منه أيضاً أن نسكن نحن معه في منازل في السماء ( 2كو6:16). وفي الحالتين لنا مجد معد على الأرض أو في السماء. من يستضيف الله على الأرض يستضيفه الله في السماء. والإنسان يعجز عن أن يصنع منزلاً لله- ولكن من يطيع الله تاركاً الخطية يصنع الله عنده منزلاً يرتاح فيه هنا على الأرض- ويعطيه منزل في السماء. آية (24): ""الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني."" الذي لا يحبني= من إنجرف في تيار محبة العالم يتنكر لله وكلماته= لا يحفظ كلامي ( يع4:4) الحب يترجم إلى طاعة للوصية. فأي موافقة لهيكل الله مع الأوثان ( 2كو6:16). هذه إجابة على سؤال يهوذا ""لماذا لن يظهر نفسه للعالم"" فالعالم لا يحبه. ليس لي بل للآب= فالمسيح يستعلن الآب ويستعلن الوحدة الذاتية مع الآب. ورفع مستوى الكلام الذي يتكلم به إلى مستوى الرسالة الإلهية. فمن لا يحفظ أقواله فهو لا يحب الله الآب. يهوذا سأل السيد لماذا يراك البعض ولا يراك البعض الآخر. وكانت الإجابة أن من يسمع كلامي يراني- وهذه أهمية دراسة الكتاب المقدس. آية (25): ""بهذا كلمتكم وأنا عندكم."" هنا المسيح يشرح أنه في الوقت الحاضر طالما هو موجود بالجسد فهو يعلم ويتكلم بشخصه- وعلى قدر فهمهم الآن. ويودع كلامه أمانة عندهم إلى أن يأتي الروح القدس فيعلمهم كل شئ ويذكرهم بكل ما قاله السيد المسيح. آية (26): ""وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم."" هنا المسيح يشرح أنه بعد إنطلاقه يكون الروح القدس هو العامل في هذه المعلنات- وهو الذي يعلم ويذكر بكل ما قاله المسيح. وما كتبه يوحنا بالذات في هذه الإصحاحات يشير فعلاً أن الروح القدس هو الذي ذكره بكل كلمة- فكيف يذكر يوحنا تفاصيل هذا الكلام بكل دقة لمدة 60سنة بل هذا الكلام سمعه يوحنا وهو في قمة التعب والألم ( 2بط1:21). وهذا معنى قول بولس الرسول ""أما نحن فلنا فكر المسيح ( 1كو2:16) فالروح القدس يرفع فكرنا ويعلمنا ويذكرنا. فالروح الذي يفحص كل شئ حتى أعماق الله ( 1كو2:10) قادر أن يكشف لنا حتى أعماق الله. ولكن هل نجلس في هدوء لنتعلم. ونلاحظ أنه حين أخطأ الإنسان فارقه روح الرب ( تك6:3) وبالفداء يعود الروح القدس للإنسان ليعطيه قوة القداسة مرة أخرى. ولم يكن هذا ممكناً أي أن يأتي الروح القدس قبل أن يتم الفداء لذلك قال المسيح خيرٌ لكم أن أنطلق ( 16:7-14). يذكركم= إذ يخطئ الإنسان أو يفكر في أن يخطئ يذكره الروح القدس بأنه سيخالف وصية المسيح ويذكره بالوصية. وفي كل موقف حرج يذكرنا بكلمات المسيح لنرد على ملوك وولاة. المعزي= أصل الكلمة الباراقليط وأتت هذه الكلمة 5مرات في العهد الجديد. ترجمت 4مرات بالمعزي ( 14:16- 26 - 15:26 - 16:7) وكلها في إنجيل يوحنا. وجاءت مرة واحدة في ( 1يو2:1) عن المسيح وترجمت شفيع. ونلاحظ أنها في المرات الأربعة الأولى جاءت عن الروح القدس. ولكن المعنى واحد. وتشير الكلمة إلى من يدافع عنا في المحاكم أمام القضاء ولها معاني الشفيع والمعين والمشجع الذي يقف بجوار الضعيف ليسانده فيكون بمساندته له معزياً مشعراً إياه بالأمان وتعنى الحاضر للمعونة (بارا وملازم ومجاور ومنها parallel). وفي آية (16) سمعنا ان المسيح سيرسل الروح القدس معزياً آخر لأنه كان في حالة تجسده هو المعزي لهم والمدافع عنهم وفي السماء شفيعنا بفدائه والروح القدس شفيعنا في هذا العالم بعمله الخفي فينا بل هو يعلمنا ماذا نقول في الصلاة ( رو8:26- 27). والروح يعلمنا كل شئ يخص المسيح (مجده وعظمته ومحبته وطبيعته).وراجع ( يو16:14) وإلاّ كيف دافعت الكنيسة عن الإيمان الصحيح ضد الهراطقة. بإسمي= أي بسبب يسوع وعمله وبحضوره وبواسطته. هو سيغيب جسدياً لكن هو حاضر بشخصه. والإسم يعلن كل قوة الإبن وطبيعته وقوته وعمله ومشيئته فكل هذا متضمن في الإسم. والآب سيرسله بشفاعة المسيح وفداء الإبن حتى صعوده للسماء. يرسله= جاءت في صيغة المستقبل الدائم فالروح القدس سيرسله الآب للكنيسة كل الأيام. وهو الروح القدس= لأنه يقدس الكنيسة ويهيأها كعروس للمسيح. آية (27): ""سلاماً اترك لكم سلامي أعطيكم ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب."" سلاماً= هذا عهد بين المسيح وكنيسته. سلامي= هي عطية المسيح- هبة من المسيح ووعد منه وهو يودع تلاميذه. سلام= إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله ( رو5:1) والله يعطي سلاماً يفوق كل عقل ( في4:7) ولكن شرطه البر أي يدخله في الهدوء والسكينة الإلهية وطمأنينة وراحة وسط ضيقات العالم- راحة تتفوق على الإضطراب ( 2كو4:8). وهو سلام يرفعنا فوق ذواتنا ويسكن في قلوبنا ويملك عليها ( كو3:15) فيوقف إضطرابها. إذاً مجال سلام الله في القلب والعقل. القلب منبع والعقل مصب. أترك لكم= هو الآن منطلق ويترك لهم السلام كميراث. أعطيكم= هو أيضاً هبة. ويتلازم السلام والفرح في وعود المسيح للمؤمنين كعربون لما سنتذوقه في الحياة الأبدية- وهما علامة الثبات في المسيح. لذلك فجهادنا الآن أن نثبت في المسيح ( يو15:4) وعلامة الثبات السلام والفرح. فسلام المسيح مرتبط بالثبات في شخصه. ليس كما يعطي العالم= ماذا يعطي العالم؟ مال/ مناصب/ جاه/ مباهج زائفة وزائلة. وهذه كان تلاميذه ينتظرونها إذ كانوا يتصورون أنه سيملك ملكاً زمنياً ويكونون هم حاشيته. ولكن عطايا العالم إن أعطى فهي تدوم إلى زمن وسريعاً ما يذهب كل شئ ولكن عطية المسيح تملأ القلب وتمتد للأبدية وهي ثابتة. الإنسان العالمي إذ تقابله مشكلة [1] يهرب منها مثلاً بالنوم أو التليفزيون أو الإدمان [2] يؤجل الإنسان مشكلته ويظل يؤجل بلا نهاية [3] تنازل مقابل شئ أحصل عليه. وكل هذا لا يعطي سلام. أما سلام المسيح فهو باقي غير متغير وينمو. لا تضطرب قلوبكم= سيقابلكم الآن وبعد ذلك ضيقات كثيرة ولكن لا تخافوا فسأعطيكم سلاماً يملأ قلوبكم كعطية فائقة. بل أعطى المسيح تلاميذه أن يهبوا السلام للآخرين- وهذه قوَّة فعالة روحية تخرج مع النطق لتسكن الفكر والقلب وإذا لم تجد لها مكاناً في الآخرين تعود مرة أخرى إلى ناطقها ( لو10:5- 6). وهذا ما يصنعه الكاهن حينما يصلي قائلاً ""السلام لكم"" إيريني باسي. وفي نهاية كل إجتماع أو صلاة يقول ""إذهبوا بسلام سلام الرب مع جميعكم"" فهو بداية ونهاية كل صلاة (والشعب يرد على الكاهن ومع روحك أيضاً). نبدأ الصلاة بالسلام لنشترك في الصلاة بأذهان صاحية- وننهي به الصلاة كأننا نستودع السلام كعطية في قلوب الشعب قبل أن ينصرفوا. لكن من هو منفصل عن الله يحيا بلا سلام في حياته. لا تضطرب قلوبكم= هي نفس العبارة التي بدأ بها الإصحاح. لكن هي تعني هنا أن بالسلام الذي أعطيه لكم لن تضطرب قلوبكم. آية (28): ""سمعتم أني قلت لكم أنا اذهب ثم آتى إليكم لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت امضي إلى الآب لأن أبي اعظم مني."" سمعتم أني قلت لكم أنا أذهب= فلا تضطرب قلوبكم لهذا السماع. هنا المسيح يعزي تلاميذه عن فراقه لهم بالموت ويشرح لهم أن الموت هو الطريق الوحيد للخلود حاملاً معه كنيسته- وهو سيذهب لكنه سيأتي ليأخذهم معه. فالنتائج التي سيحصلون عليها هي أعظم مماّ لو بقى معهم- بل هو سيرسل لهم الروح القدس الذي يشرح لهم ويعلمهم ويذكرهم بكل شئ ويكشف لهم حقيقة المسيح- فكيف لا يفرحون بذهابه- فهو سيتمجد لحساب الكنيسة ( لو24:26) وهم يكسبون مكاسب عظيمة ( عب9:12- 24 + عب7:24- 25 - 1يو2:1 + يو14:2- 3- 16-18- 26 + رو8:16- 27). إذاً هم سيفرحون بأن المسيح بجسده سيكون له نفس مجد الآب. وهذا سيعود بالبركة على تلاميذه. أبي أعظم مني= يقولها المسيح وقد أخلى ذاته وصار إنساناً تحت الآلام. فالآب والإبن واحد في الطبيعة وفي الجوهر ومقامهما واحد. وحين يأخذ الإبن صورة المجد لا يقال هذا. فإن الآب في مجده فهو أعظم من حالة الإبن حال تجسده- والعبيد يهينونه بل هو قادم على موت شنيع وملعون. ويكون المقصود أن الصورة السماوية هي أعظم من الصورة الأرضية المتواضعة. آية (29): ""وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون.""