تفسير مرقس 12 — القمص تادرس يعقوب ملطي | رفيقي

تفسير الكتاب المقدس بالعربية للقمص تادرس يعقوب ملطي.

مقدمة عن سفر مرقس

مقدمة إنجيل مرقس 1من هو القديس مرقس؟ وُلِدَ القديس مرقس في القيروان إحدى المدن الخمس الغربية بليبيا- من أبوين يهوديين واسم والده أرسطوبولوس ووالدته مريم امرأة تقية لها اعتبارها بين المسيحيين الأولين في أورشليم. وحمل مارمرقس اسم يوحنا أيضاً ( أع12:12) وهو ابن أخت برنابا رفيق خدمة بولس الرسول. ووالده ابن عم زوجة القديس بطرس أو ابن عمتها (القيروان هي مدينة كيريني أو سيريني) وإذ هجمت بعض القبائل المتبربرة على أملاكهم تركوا القيروان إلى فلسطين حيث تمتع مع والدته بالسيد المسيح- فقد كانت أمه من النساء ...

تفسير مرقس الإصحاح 12 — للقمص تادرس يعقوب ملطي

الكرامين الأشرار مت21:33-46 + مر12:1-12 + لو20:9-19 ( مت21:33-46): Mat 33:21-46 ( مر12:1-12): Mar 1:12-12 ( لو20:9-19): Luk 9:20-19 راجع ( أش5:1-7) فالكرم يشير لإسرائيل. وبالتالي فالكرامين هم رؤساء الكهنة والمعلمين ولكل صاحب سلطان. وصاحب الكرم هو الله الذي أحاطه بسياج من حمايته ومن الشريعة والناموس وبنى برجاً من الأنبياء. أكون لها سور من نار ( زك2:5) في المثال السابق ظهر اليهود كأصحاب كلام بلا عمل- ففقدوا مركزهم ليحل محلهم من بالعمل أعلنوا ندمهم على ماضيهم- أما هنا فالسيد يكشف لهم أنهم عبر التاريخ كله لم يكونوا فقط غير عاملين وإنما مضطهدين لرجال الله في أعنف صورة حتى متى جاء إبن الله نفسه الوارث يخرجونه خارج أورشليم ليقتلوه. ولقد أخذ السيد الحكم عليهم من أفواههم بأن على صاحب الكرم أن يهلكهم. ويسلم الكرم إلى آخرين الذين هم كنيسة الأمم- أو الكنيسة المسيحية عموماً التي هي من الأمم واليهود الذين آمنوا. الحجر المرفوض= ( مز118:22- 23). قيل أنه عند بناء هيكل سليمان أن البنائين وجدوا حجراً ضخماً فظنوا أنه لا يصلح لشئ فإحتقروه- ولكن إذ إحتاجوا إلى حجر في رأس الزاوية (ليجمع حائطين كبيرين) لم يجدوا حجراً يصلح إلاّ الحجر الذي سبق وإحتقروه. وكان ذلك رمزاً للسيد المسيح الذي إحتقره رجال الدين اليهودي- ولم يعلموا أنه الحجر الذي سيربط بين اليهود والأمم في الهيكل الجديد ليصير الكل أعضاء في الملكوت الجديد. وفي هذا القول إشارة لموته وقيامته. وسلمه إلى كرامين وسافر= هو حاضر في كل مكان- وعينه على كرمه يرعاه ويهتم بكل صغيرة وكبيرة- ولكن قوله سافر فيه إشارة لأنه ترك للكرامين حرية العمل وأعطاهم المسئولية كاملة علامة حبه للنضوج وتقديره للحرية الإنسانية. وتشير كلمة سافر إلى أنهم رأوا الله على جبل سيناء إذ أعطاهم الوصايا وما عادوا يرونه بعد ذلك- وكأنه بعيداً عنهم وهل نخطئ نحن ونظن أن الله لأننا لا نراه الآن هو غائب- ولن يعود ويظهر للدينونة. حفر معصرة= هو ينتظر الثمار من الكرم ليصنع خمراً. والخمر رمز للفرح. فالله يريد أن يفرح بثمار أولاده. ولكن المعصرة تشير لآلام المسيح ( أش63:1-2) لأن أسرار آلام المسيح تبدو كالخمر الجديد- فهو الذي قدّم لنا دمه من عصير الكرمة وينتظر منّا أن نقدم له حياتنا ذبائح حية- ونحتمل الصليب فنملأ معصرته. أرسل عبيده ليأخذ أثماره= الله أرسل للشعب اليهودي أنبياء فقتلوهم وعذبوهم ورفضوهم- ورفضوا تعاليمهم. قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث. هلوا نقتله= هم تشاوروا من قبل وسألوه بأي سلطان تفعل هذا وهو هنا يشير لأنه الإبن- فهو صاحب السلطان. ولكنه يتنبأ هنا عن موته على أيديهم. ويتنبأ عن قيامته في موضوع حجر الزاوية. هنا المسيح يظهر لهم أنه هو صاحب السلطان وأنهم هم المقاومين لسلطانه لرفضهم الحق. في إنجيل ( لو20:10-12) يحدد لوقا أن صاحب الكرم أرسل ثلاثة رسل قبل إبنه:- الأول: يمثل الناموس الطبيعي أي الضمير وكان قايين أول من كسره بقتله لأخيه. الثاني: يمثل ناموس موسى وموسى نفسه ممثل الناموس هاجوا عليه. الثالث: هم الأنبياء ونبواتهم وطالما قتل الشعب اليهودي هؤلاء الأنبياء. والمسيح يتهم اليهود الذين أمامه من القادة والرؤساء بأنهم مازالوا يعملون ضد الناموس الطبيعي- وضد الناموس الموسوي وضد النبوات- في حياتهم وسلوكهم وفي رفضهم له وهو المخلص الذي تكلم عنه الأنبياء. وتسمية المسيح نفسه بالوارث- فهذا يشير لناسوته- أمّا لاهوته فله كل المجد دائماً. وبناسوته سيحصل على المجد بعد الصليب لحسابنا لنرث نحن فيه. ( لو20:10): وفي الوقت= وقت الحصاد والإثمار= بعد أن أعطى الله كهنة اليهود فرصة لرعاية الشعب- أرسل ليطلب النفوس التقية المؤمنة التي يفرح بها. في ( لو20:16) المسيح هنا هو الذي يقول ""يأتي ويهلك"" بينما في متى- فهو ينسب هذا القول للكهنة والفريسيين والحل بسيط. أن الفريسيين هم الذين قالوا هذا- والسيد كرر ما قالوه تأميناً على كلامهم أي هو يوافق على ما قالوه. ونأخذ ميراثه= هنا المسيح يشير لسبب أحقادهم عليه ألا وهو حسدهم له بسبب إلتفاف الشعب حوله وإعجابهم به. وليس بسبب عدم المعرفة لشخصه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم= فهم صلبوه خارج أورشليم ( عب13:13) هذا المثل يقدم ملخصاً رمزياً لعمل الله الخلاصي وتدبيره ورعايته للإنسان غير المنقطعة فتحدث عن عطية الناموس الطبيعي وناموس موسى والأنبياء وعن تجسد الإبن وصلبه وطرده للكرامين القدامى وتأسيس الكنيسة بالروح القدس ليكونوا كرامين جدد (التلاميذ ورسل المسيح والكهنوت المسيحي) ولكن لنلاحظ أن كون الكنيسة هي الكرمة الجديدة فهذا لا يعطيها مبرر أن تتشبه باليهود فلا يكون لها ثمر. ففي ( رؤ2:5) نجد أن الله على إستعداد أن يزحزح منارة كنيسة أفسس لأن محبتها نقصت. فإن كان الله لم يشفق على الكرمة أو الزيتونة الأصلية فهل يترك الكرمة أو الزيتونة الجديدة إن كانت بلا ثمر. الله مازال يطلب الثمار في كنيسته وفي كل نفس ( رو11:17-24). ولنلاحظ أن الله أعطى الجنة لآدم ليعملها. وكانت الجنة في وسطها شجرة الحياة. والله أعطى لنا الكنيسة وفي وسطها المسيح لنخدم- فكل منّا مطالب بأن يعمل في هذه الجنة- فمنَّا من يزرع ومنّا من يسقي والله يطالب بالثمار أي المؤمنين التائبين. ولكن هناك من يتضايق إذا طلب الله الثمار وهو لا يريد أن يقدم شئ. والحجر هو المسيح. الحجر الذي قطع بغير يدين ( دا2:34) إذ وُلِدَ بدون زرع بشر وصار جبلاً يملأ المسكونة. وهو حجر مرذول مرفوض- في تواضع ميلاده في مزود- وفي تواضع حياته وفي عار صليبه وموته والإهانات التي وجهت إليه. لكنه صار رأس الزاوية من سقط على الحجر يترضض= هم من لم يؤمنوا بالمسيح ورفضوه كما رفضه البناؤون- فعدم إيمانهم صار لهم صخرة عثرة. ومن يتعثر في المسيح يضر نفسه- ويكون كمن سقط على الحجر- هذا يقال على كل من يسمع الإنجيل ولا يؤمن. فكل من يرفض المسيح ويقاومه يتعب ويفقد سلامه ويعذب نفسه هنا على الأرض. ومن سقط هو عليه يسحقه= هؤلاء يمثلون من يقاوم المسيح وإنجيله والإيمان الحقيقي ويبذلون جهدهم لتعطيله- هؤلاء يسحقهم المسيح إمّا هنا على الأرض (آريوس) أو يوم الدينونة. وكل من يظل رافضاً المسيح ويقاومه فنهايته الهلاك حين يظهر المسيح في مجيئه الثاني ليدين العالم. ( مر12:13-17): ""ثم أرسلوا إليه قوماً من الفريسيين والهيرودسيين لكي يصطادوه بكلمة. فلما جاءوا قالوا له يا معلم نعلم انك صادق ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس بل بالحق تعلم طريق الله أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا نعطي أم لا نعطي. فعلم رياءهم وقال لهم لماذا تجربونني إيتوني بدينار لأنظره. فأتوا به فقال لهم لمن هذه الصورة والكتابة فقالوا له لقيصر. فأجاب يسوع وقال لهم أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله فتعجبوا منه."" ( لو20:20-26): ""فراقبوه وأرسلوا جواسيس يتراءون أنهم أبرار لكي يمسكوه بكلمة حتى يسلموه إلى حكم الوالي وسلطانه. فسألوه قائلين يا معلم نعلم انك بالاستقامة تتكلم وتعلم ولا تقبل الوجوه بل بالحق تعلم طريق الله. أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا. فشعر بمكرهم وقال لهم لماذا تجربونني. أروني ديناراً لمن الصورة والكتابة فأجابوا وقالوا لقيصر. فقال لهم أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فلم يقدروا أن يمسكوه بكلمة قدام الشعب وتعجبوا من جوابه وسكتوا."" الفريسيين= حزب ديني أو مدرسة يهودية كانت موجودة أيام المسيح. وأطلق عليهم هذا الإسم نسبة لكلمة عبرية معناها منفصل. وكان المسيح يهاجمهم بسبب ريائهم. ويمكن تسمية الفريسيين بالمتزمتين والصدوقيين بالعقلانيين. الهيرودسيين= هم طائفة سياسية تتبع هيرودس الكبير وكان منهم من الفريسيين وأيضاً من الصدوقيين ويؤمنون أن أمال الأمة اليهودية تتعلق بآل هيرودس كسد منيع في وجه سيطرة الرومان وهم من أطلق علي خبثهم خمير هيرودس في مقابل خمير الفريسيين ( مر8:15- لو12:1) وكان القيصر في ذلك الوقت هو طيباريوس الذي إشتهر بالقسوة. وكانت الجزية مفروضة على كل رأس علامة للخضوع لقيصر. وكانت الجزية مكروهة عند الفريسيين الذين إعتقدوا أنها ضد شريعة موسى- أما الهيرودوسيين الذين يتشيعون لهيرودس الأدومي راغبين أن يكون ملكاً على اليهودية فكانوا يرحبون بالجزية تملقاً للرومان ولقيصر لينالوا مأربهم- لذلك كان همهم الموالاة لروما وحفظ هدوء الشعب من أي مؤامرة ضد روما. وكان هناك تذمر بين اليهود المتعصبين إذ يرفضون دفع الجزية- وبسبب هذا قامت ثورات مثل ثورة ثوداس ويهوذا الجليلي وقد قتلهم الرومان في فترة قريبة وأنهوا ثورتهم ( أع5:36- 37). والجليليين الذين تسموا بإسم يهوذا الجليلي قتلهم بيلاطس وخلط دمهم بذبائحهم ( لو13:1). والغريب هنا أن يجتمع الفريسيين والهيرودسيين على المسيح مع إختلافهم في المبادئ. فنحن يمكننا أن نتوقع هذا السؤال من الهيرودسيين فهم كان يجمعون الجزية ويعطوا قيصر نصيبه ويختلسون الباقي ولكن الفريسيين ممتنعون عن دفع الجزية متذمرين ضدها- بل يعتبرون الهيرودسيين خونة ضد أمتهم وناموسهم. ولكن لأجل أن يتخلصوا من المسيح فلا مانع أن يتحدوا. ولو أجاب المسيح بأن نعطي الجزية لقيصر تنفر منه الجموع وتنفض من حوله وتفقد ثقتها فيه كمخلص من المستعمر ولو رفض لأعتُبِرَ مثير فتنة ضد قيصر. إعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر= هي رد على الفريسيين الذين رفضوا طاعة السلطات الحكومية وقد أمر الكتاب بطاعتها. ولنلاحظ أن قيصر أعطاهم حكومة مستقرة وحماية وأنشأ لهم طرق فيكون من حقه الجزية. وهكذا فعلى المسيحي أن يطيع حكومته ( رو13:1-7). وعلينا أن نخضع لحكومتنا وقوانينها طالما أن ذلك لا يتعارض مع ما لله ووصاياه. والعجيب أنه قدَّم الطاعة لقيصر عن الطاعة لله- ففي طاعة قيصر أي الرؤساء شهادة حق لله نفسه. فليس هناك ثنائية بين عطاء قيصر حقه وعطاء الله حقه فكلاهما ينبعان عن قلب واحد يؤمن بالشهادة لله من خلال الأمانة في التزامه نحو الآخرين ونحو الله والكلمة الأصلية لإعطوا هي سددوا أو إدفعوا. فهذه الجزية واجبة فقيصر يدافع ويحمي ويمهد الطرق.. الخ. إعطوا ما لله لله= هذا رد على الهيرودسيين الذين ينسون واجباتهم نحو الله بجريهم وراء قيصر. والله له القلب والنفس بل الحياة كلها. الإنسان هو العملة المتداولة عند الله. أروني معاملة الجزية= هي الدينار وهو قطعة عملة رومانية. وكانت عادة تدفع كجزية وعليها صورة قيصر. وكون أنهم يقدمون له الدينار فهذا إعتراف منهم أنهم تحت حكم قيصر فالعملة الجارية تظهر نظام الحكم والسلطة القائمة ويدفع منها الجزية. (عملة اليهود الشاقل بلا صورة تماماً فهم يرفضون التماثيل والشعارت الوثنية ويُسَمّى عملة القدس ويستخدم للمعاملات الدينية. وللمعاملات المدنية يستخدم معاملة الجزية). يا معلم نعلم أنك صادق..= هذا تملق ومديح للخديعة بعد ذلك. والمديح هدفه أن يفقد حذره منهم فيخطئ في كلامه. والله خلقنا على صورته ولما فقدنا هذه الصورة أتى الروح القدس ليعيدنا إليها ( غل4:19) ومن لا توجد عليه وفيه هذه الصورة سيرُفض. فكما يحمل الدينار صورة قيصر هكذا ينبغي أن نحمل صورة الله لنقدم للملك السماوي عملته الروحية تحمل صورته وكلمته فنصير عملة متداولة في السماء يمكننا أن ندخلها ويجدوا علينا ثياب العرس- وكما أن أي دولة لا يمكنك أن تتعامل فيها بعملة لا يكون عليها صورة ملك هذه الدولة- فنحن لا يمكننا دخول السماء إلاّ كعملة عليها صورة الله ملك السماء والأرض- ملك الملوك. فكما يطلب قيصر صورته على عملته هكذا يطلب المسيح صورته فينا. ولكن إن وُجِدَ في إنسان صورة الشيطان يستعبده الشيطان ( يو8:44- 1يو3:7-10). ( لو20:21): لا تقبل الوجوه= لا تحابي وجوه العظماء فتغير الحق إرضاء لهم. ومع كل الحكمة في إجابة المسيح هذه- وأنه لم يخطئ في حق قيصر إتهموه بأنه يفسد الأمة ويمنع أن تعطي جزية لقيصر قائلاً أنه ملك ( لو23:2). وفي هذا لم يدافع المسيح عن نفسه. لقد قدَّم مبدأ الخضوع للسلطات ليس خوفاً ولا دفاعاً عن نفسه بل كمبدأ على المسيحيين أن يمارسوه وإن إتهم بخلاف ما يمارس. ( مر12:18-27): ""وجاء إليه قوم من الصدوقيين الذين يقولون ليس قيامة وسألوه قائلين. يا معلم كتب لنا موسى إن مات لأحد أخ وترك امرأة ولم يخلف أولاداً أن يأخذ أخوه امرأته ويقيم نسلاً لأخيه. فكان سبعة اخوة اخذ الأول امرأة ومات ولم يترك نسلاً. فأخذها الثاني ومات ولم يترك هو أيضاً نسلاً وهكذا الثالث. فأخذها السبعة ولم يتركوا نسلاً وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً. ففي القيامة متى قاموا لمن منهم تكون زوجة لأنها كانت زوجة للسبعة. فأجاب يسوع وقال لهم أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله. لأنهم متى قاموا من الأموات لا يزوجون ولا يزوجون بل يكونون كملائكة في السماوات. وأما من جهة الأموات انهم يقومون أفما قرأتم في كتاب موسى في أمر العليقة كيف كلمه الله قائلاً أنا اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب. ليس هو اله أموات بل اله أحياء فانتم إذاً تضلون كثيرا."" ( لو20:27-39): ""وحضر قوم من الصدوقيين الذين يقاومون أمر القيامة وسألوه. قائلين يا معلم كتب لنا موسى أن مات لأحد أخ وله امرأة ومات بغير ولد يأخذ أخوه المرأة ويقيم نسلاً لأخيه. فكان سبعة اخوة واخذ الأول امرأة ومات بغير ولد. فاخذ الثاني المرأة ومات بغير ولد. ثم أخذها الثالث وهكذا السبعة ولم يتركوا ولداً وماتوا. وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً. ففي القيامة لمن منهم تكون زوجة لأنها كانت زوجة للسبعة. فأجاب وقال لهم يسوع أبناء هذا الدهر يزوجون ويزوجون. ولكن الذين حسبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوجون ولا يزوجون. إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضاً لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة. وأما أن الموتى يقومون فقد دل عليه موسى أيضاً في أمر العليقة كما يقول الرب اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب. وليس هو اله أموات بل اله أحياء لأن الجميع عنده أحياء. فأجاب قوماً من الكتبة وقالوا يا معلم حسناً قلت."" الصدوقيون= هم فرقة يهودية دينية ينتسبون إلى مؤسس فرقتهم صادوق الذي ربما يكون هو صادوق الذي عاش أيام داود وسليمان وفي عائلته حفظت رياسة الكهنوت حتى عصر المكابيين- أو هو صادوق آخر عاش حوالي سنة 300ق.م. حسب رأي البعض وهذه الفرقة كما يقول يوسيفوس كانت مناقضة للفريسيين- لكن مع قلة عددهم كانوا متعلمين وأغنياء وأصحاب مراكز وإحتلوا مركز القيادة في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد في العصرين الفارسي واليوناني. وأحبوا الثقافة اليونانية وإهتموا بالسياسة أكثر من الدين. فسيطر عليهم الفكر المادي ولم يستطيعوا أن يقبلوا عودة الروح إلى الجسد بعد إنحلاله فأنكروا القيامة- ولذلك إصطدموا بكلمات السيد المسيح في هذا الشأن إذ كان يتحدث عن الملكوت السماوي وأنه ملكوت أبدي. وأنكروا قانونية أسفار العهد القديم ما عدا أسفار موسى الخمسة (لذلك فإن المسيح حين جاوبهم أتى لهم بآية من أسفار موسى الخمسة التي يعترفون بها) وإستخفوا بالتقليد على خلاف الفريسيين الذين حسبوا أنفسهم حراساً لتقليد الشيوخ لذلك كرههم الفريسيين. ولكن كان الفريسيون على إستعداد لوضع يدهم في يد خصومهم الصدوقيون لمقاومة المسيح. وظن الصدوقيون بأن أسفار موسى لا تذكر شيئاً عن القيامة من الأموات. ( أع23:8). بل هم ظنوا أنه بخصوص الزواج الناموسي- حينما يموت زوج بدون أطفال فتلتزم زوجته بالزواج من أخيه أو أقرب ولي له ( تث25:5- 6) ويكون الأطفال بإسم الميت. ظنوا في هذا تأكيداً لعدم القيامة من الأموات. ولأنهم تعلقوا بالحياة السياسية والعالم فحسبوا القيامة حياة زمنية مادية. وهذه القصة التي إستخدمها الصدوقيون هنا- كانت غالباً مستخدمة في الحوار بين الصدوقيين والفريسيين الذين كانوا يعلمون بأن هناك زواج في السماء. وقدّم الصدوقيون القصة للمسيح على أنها لغز يصعب حله. وإشتملت إجابة المسيح على:- 1أظهر لهم أنهم لا يعرفون حتى الكتب الخمسة التي لموسى والتي يؤمنون بها= تضلون إذ لا تعرفون الكتب. وإستخدم السيد المسيح قول الله لموسى ( خر3:6- 15) وأنه إله إبراهيم وإسحق ويعقوب- والله لا يمكن أن يكون إله أموات بل إله أحياء. (هل نعرف الكتاب المقدس وقوته على تغيير حياتنا بل ولادتنا ثانية ( 1بط1:23). 2إن الحياة في الأبدية ستكون كحياة الملائكة بلا شهوات ولا جنس- إذ لا موت ولا إنقراض للجنس البشري- أجسادنا ستكون روحية لا مادية- ومن تذوق الفرح الروحي لا يعود يحتاج بعد للفرح المادي. لذلك لن تناسبنا الشهوات بل سيكون المؤمنين في مجد نوراني. وهم تعمدوا أن يقولوا أنها لم تنجب حتى لا يقول المسيح تكون زوجة لمن أنجبت منه. ( لو20:34):- هذا الدهر= الأرض التي نحيا عليها الآن. ( لو20:35):- ذلك الدهر= السماء. ( مر12:28-34): ""فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى انه أجابهم حسنا سأله أية وصية هي أول الكل. فأجابه يسوع إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك هذه هي الوصية الأولى. وثانية مثلها هي تحب قريبك كنفسك ليس وصية أخرى اعظم من هاتين. فقال له الكاتب جيداً يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه. ومحبته من كل القلب ومن كل الفهم ومن كل النفس ومن كل القدرة ومحبة القريب كالنفس هي افضل من جميع المحرقات والذبائح. فلما رآه يسوع انه أجاب بعقل قال له لست بعيداً عن ملكوت الله ولم يجسر أحد بعد ذلك أن يسأله."" ناموسي= أي مفسر قانوني للناموس. إتفق الفريسيين أن يوقعوا المسيح فأرسلوا له هذا الناموسي ليمتحنه في مسألة حيرتهم وإختلفوا بخصوصها فيما بينهم- على أي الوصايا هي العظمى- وأيها هي الثقيلة وأيها هي الخفيفة وأيها هي المهمة. وكانت لهم منازعاتهم الساخنة. ففي رأيهم أنه لابد أن تكون هناك وصية هي الأعظم فمنهم من قال أنها حفظ السبت ومنهم من قال تقديم الذبائح ومنهم من قال أنها الختان. وهذا الناموسي الذي أرسلهُ الفريسيين ليمتحن السيد يبدو أنه كان في داخله باحثاً عن الحقيقة بصدق فحين أجابه السيد فرِح بالإجابة فمدحه السيد ( مر12:34). وفعلاً تتفق إجابة المسيح مع أن الوصايا العشر مقسمين للوحين الأول يختص بالله والثاني يختص فيما للإنسان- وهكذا لخص السيد الوصايا أن تحب الله وتحب قريبك وكان هدف الفريسيين أن المسيح يتكلم عن تعاليمه ويميزها عن تعاليم موسى- أو أن يجيب بان الناموس ناقص فيشتكون عليه. ولكن إجابة السيد كانت مملوءة حكمة فحب إخوتنا مكمل لحبنا لله- ولا يمكننا أن نحب الله غير المنظور ولا نحب إخوتنا المنظورين وأراد السيد بإجابته أن يظهر لهم أن الوصايا ليست موضوع نزاع عقلي وبحث ومناقشات وجدل بل هي حب- حياة حب- يحيا الإنسان لله وللناس. يتعلق الناموس كله والأنبياء= من يتمم وصية الحب لله وللإخوة يتقبل هبات الله وأولها الحكمة خلال الروح القدس. ومحبة الله تجعلنا نَحْفَظْ وصاياه. بل إن من له الروح القدس الذي يعطي المحبة لا يحتاج للناموس ( غل5:22- 23). وكأن الوصية هي تمتع بسمة داخلية- حياة داخلية يعيشها الإنسان في أعماقه وتُعْلَن خلال إيمانه ومحبته لله ومعاملاته مع الناس. ولأنها حياة داخلية قال السيد من كل قلبك وكل نفسك وكل فكرك أي بكل كيانك ومشاعرك وقلبك. ( مر12:34). المسيح يشجعه ليستمر ليصل للمعرفة الحقيقية ويدخل ملكوت الله فليس كافياً أن يكون المرء ليس بعيداً عن ملكوت الله. بل عليه أن يعرف حاجته للمسيح المخلص. هو ليس بعيداً إذ كان باحثاً عن الحقيقة بصدق مبتعداً عن خبث الفريسيين- وهو فهم الناموس فهماً صحيحاً فبالتالي سيسهل عليه أن يعرف المسيح. فالمسيح غاية الناموس بل أن وصية المحبة هذه يستحيل تنفيذها بدون المسيح- فكيف نحب كل الناس حتى أعدائنا إن لم نكن في المسيح. والسبب بسيط أن الله محبة. فبدون معونة منه لا توجد محبة حقيقية. لذلك فأول ثمار الروح القدس ""المحبة"". والروح القدس هو الذي يسكب محبة الله فينا ( غل5:22- 23). سؤال المسيح الذي لا يرد عليه مت22:41-46 + مر12:35-37 + لو20:41-44 ( مت22:41-46): ""وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع. قائلاً ماذا تظنون في المسيح ابن من هو قالوا له ابن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً. قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فان كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه. فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة."" ( مر12:35-37): ""ثم أجاب يسوع وقال وهو يعلم في الهيكل كيف يقول الكتبة أن المسيح ابن داود. لأن داود نفسه قال بالروح القدس قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك. فداود نفسه يدعوه رباً فمن أين هو ابنه وكان الجمع الكثير يسمعه بسرور."" ( لو20:41-44): ""وقال لهم كيف يقولون إن المسيح ابن داود. وداود نفسه يقول في كتاب المزامير قال الرب لربي اجلس عن يميني. حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فإذا داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه."" السيد هنا يفحم اليهود بسؤال تستدعى إجابته إعترافهم بلاهوته كما بناسوته- بهذا السؤال يظهر السيد لاهوته مستخدماً المزمور (110) الذي يعتبره اليهود مزمور خاص بالمسيا. وهم يفهمون أن المسيا لابد أن يكون إبن داود. ونلاحظ أن المسيح قبل هذا اللقب يوم دخوله أورشليم فبالتالي هو يشير لنفسه- ويشير لنفسه أنه إبن داود ورب داود. السيد يسأل ليُعلِّم. والمعنى أن الآب رب داود والإبن أيضاً رب داود وقد رفعه الله الآب وأعطاه إسماً فوق كل إسم في الأعالي وأجلسه عن يمينه ووضع أعداؤه عند موطئ قدميه- بعد أن أكمل الفداء. وكأن السيد يحذرهم من المقاومة- فهو جاء ليخلص لا ليدين- يفتح الباب لقبولهم حتى لا يوجدوا في يوم الرب كأعداء مقاومين. المسيح بهذا السؤال يكشف لهم طريق الخلاص. إجلس عن يميني= أي في ذات مجدي وهذا تم بعد الصعود. أضع أعداءك.. هذا سيتم في المجئ الثاني. لقد إكتفى الفريسيين بأن يعلنوا أن المسيح الآتي سيكون ملكاً يخلصهم من الإستعمار الروماني- أما المسيح هنا فيعلن أنه المسيا- هو الرب السماوي الذي ملكه سماوي. هو أصل وذرية داود ( رؤ22:16). ولقد أدرك الكل أن المسيا سيكون إبن داود حتى الأعمى ( لو18:39). أمّا ما يثيره المسيح هنا جديداً أنه الرب. الرب= الله الآب. ربي= سيد وإله داود. إذ لا يمكن أن يدعو إنسان إبنه أو حفيده ""ربي"". المسيح إبن داود بحسب النبوات= ( إش9:6- 7- 11:1- 2- 10- أر23:5- 6- مز89:20-29) فلسا الأرملة الفقيرة مر12:41-44 + لو21:1-4 ( مر12:41-44): ""وجلس يسوع تجاه الخزانة ونظر كيف يلقي الجمع نحاساً في الخزانة كان أغنياء كثيرون يلقون كثيراً. فجاءت أرملة فقيرة وألقت فلسين قيمتهما ربع. فدعا تلاميذه وقال لهم الحق أقول لكم أن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت اكثر من جميع الذين القوا في الخزانة. لأن الجميع من فضلتهم القوا وأما هذه فمن أعوازها ألقت كل ما عندها كل معيشتها."" ( لو21:1-4): ""وتطلع فرأى الأغنياء يلقون قرابينهم في الخزانة. ورأى أيضاً أرملة مسكينة ألقت هناك فلسين. فقال بالحق أقول لكم إن هذه الأرملة الفقيرة ألقت اكثر من الجميع. لأن هؤلاء من فضلتهم القوا في قرابين الله وأما هذه فمن أعوازها ألقت كل المعيشة التي لها."" ·هذه القصة تأتي بعد الويلات للفريسيين والكتبة فهم لهم الويل إذ أن قلبهم مملوء رياء بالرغم من كل معرفتهم بالكتاب والعلوم الدينية- أمّا هذه المرأة فهي غالباً لا تعرف شئ لكن قلبها مملوء حباً. هم أغنياء جشعين يأكلون أموال الأرامل وهي تعطي من أعوازها. هم يطالبون الآخرين بالعطاء ليغتنوا هم. وهي تعطي وهي الفقيرة. هنا مقارنة بين المرأة ومعلمى الشعب. ·وهذه القصة تأتي كمقدمة للعلامات التي سيعطيها المسيح فوراً لتلاميذه عن الأيام الأخيرة وإنقضاء الدهر- حتى لا ننشغل بحساب الأيام- ومتى ستأتي هذه الساعة بل تنشغل قلوبنا فنقول مع يوحنا ""تعال أيها الرب يسوع"". فنترقب مجيئه بشوق وليس بخوف. ·المسيح لا ينظر كم نعطي فهو غني لا يحتاج لأموالنا- ولكنه ينظر إلى كيف نعطي= نظر كيف يلقي= فالله يريد مشاعر الحب والعطف والبذل فهناك من يعطي بتذمر أو إكراه أو بتفاخر. ولاحظ أن ما قدمته المرأة يساوي مليماً فالله يهتم بكيف لا كم أعطينا. وهذا ما وجده في هذه المرأة. الله فاحص القلوب والكلي ينظر لحال القلب والدوافع والطريقة التي نتصرف بها. وبهذا فإن العطاء هو عطاء القلب الداخلي. فالمرأة كان مالها قليل وحبها عظيم. كانت فوهة الخزانة على شكل بوق حتى ترن العملات لدى دخولها ويعلو الصوت كلما ثقلت العملة.